موريتانيا: 1.64 مليار دولار في سبع سنوات… حين يتحول تمويل التنمية إلى فاتورة للمستقبل
لم يسبق لموريتانيا أن حشدت من البنك الدولي هذا الحجم من التمويلات خلال فترة زمنية قصيرة كهذه. غير أن وراء هذا التسارع اللافت في التمويلات سؤالاً أكثر إزعاجاً: إلى أي حد يستطيع الاقتصاد الموريتاني مواصلة استيعاب هذه الموارد، من دون أن يتحول جزء من تمويل التنمية إلى عبء مالي تتحمله الأجيال المقبلة؟
تُظهر أرقام البنك الدولي صورة لافتة. فمنذ استقلال موريتانيا سنة 1960، وافقت المؤسسة على تمويلات تقارب 3.27 مليار دولار لصالح البلاد، موزعة على 112 عملية ومشروعاً. وبحلول 31 أغسطس 2026، بلغ إجمالي الالتزامات نحو 3.265 مليار دولار.
لكن المفارقة الحقيقية تظهر عند تقسيم هذه المسيرة الطويلة إلى مرحلتين.
فبين عامي 1960 ويونيو 2019، حصلت موريتانيا على نحو 1.63 مليار دولار. أما بين 2019 و2026، فقد حصلت على ما يقارب المبلغ نفسه، أي 1.64 مليار دولار.
وبعبارة أخرى، حشدت موريتانيا خلال سبع سنوات تقريباً ما حصلت عليه من البنك الدولي خلال ما يقارب ستة عقود.
الصنبور المالي فُتح على نطاق أوسع
برز هذا التحول بصورة خاصة بعد عام 2020. فقد تجاوزت الالتزامات المالية 290 مليون دولار خلال كل من السنتين الماليتين التاليتين، وذلك خصوصاً بفعل استجابة البنك الدولي لتداعيات جائحة كوفيد-19.
وبعد التراجع المسجل سنة 2022 إلى 92 مليون دولار، عادت التمويلات إلى الارتفاع، من 125 مليون دولار في 2023 إلى 271 مليون دولار في 2024، قبل أن تبلغ ذروتها عند 325 مليون دولار في 2025.
أما في عام 2026، فقد وصلت الالتزامات حتى الآن إلى 231 مليون دولار، وفق الأرقام المتاحة.
المسار يبدو لافتاً. لكن قراءته تحتاج إلى زاوية ثانية.
فـزيادة التمويلات لا تعني تلقائياً زيادة الثروة.
فخ رقم 1.64 مليار دولار
سيكون من المضلل تقديم مبلغ 1.64 مليار دولار باعتباره كله ديناً إضافياً على موريتانيا. فتمويلات المؤسسة الدولية للتنمية تشمل قروضاً ميسرة ومنحاً وضمانات، وإن كانت القروض الميسرة تظل، في نهاية المطاف، شكلاً من أشكال الدين العمومي أو الدين المضمون من الدولة.
وهنا يبدأ النقاش الاقتصادي الحقيقي.
فالدين الميسر يظل ديناً. وقد تكون تكلفته المالية منخفضة وآجاله طويلة، لكنه يجب أن يُسدّد في نهاية المطاف. ولذلك ينبغي أن تكون العوائد الاقتصادية والاجتماعية والمالية للمشاريع الممولة كافية لتبرير كلفة هذه الموارد.
المشكلة ليست بالضرورة في الاقتراض. المشكلة تبدأ عندما تُستخدم الديون لتمويل نفقات أو مشاريع يكون مردودها الاقتصادي والاجتماعي والمالي أقل من تكلفة سدادها مستقبلاً.
السؤال الذي لا تستطيع المليارات تفاديه
يحرص البنك الدولي نفسه على التمييز بين الالتزامات التاريخية وبين حجم الدين المستحق فعلياً. كما أن إجمالي التمويلات يشمل المنح، إلى جانب القروض والضمانات.
وهذا التمييز أساسي لفهم الوضع المالي لموريتانيا.
فقد تتمكن حكومة ما من الإعلان عن مئات الملايين من الدولارات في صورة تمويلات جديدة، فتعمل على تحسين البنية التحتية أو الخدمات العامة في الأجل القصير. لكن آجال السداد قد تمتد لسنوات طويلة، لتصبح مسؤولية حكومات مقبلة.
وهكذا يمكن لتمويل اليوم أن يتحول إلى قيد على الموازنة غداً.
وتزداد أهمية هذه المسألة بالنسبة لاقتصاد تظل إيراداته العامة مرتبطة بدرجة كبيرة بالقطاعات الاستخراجية وبالدورات المتقلبة لأسعار المواد الأولية.
فعندما ترتفع الإيرادات، يبدو عبء خدمة الدين قابلاً للتحمل. لكن عندما تنخفض أسعار المواد الأولية أو تتراجع الإيرادات الضريبية، تصبح الالتزامات نفسها أكثر ثقلاً على المالية العامة.
مفارقة التنمية بالاقتراض
تجد موريتانيا نفسها، بالتالي، أمام مفارقة معروفة في اقتصادات الدول النامية: فهي تحتاج إلى رؤوس الأموال الخارجية لتسريع تحولها الاقتصادي، لكن تدفق التمويلات لا يمكن أن يكون مستداماً إلا إذا أدى، في الوقت نفسه، إلى زيادة قدرة الاقتصاد على إنتاج الثروة والإيرادات.
لذلك لم يعد السؤال الحقيقي هو فقط:
كم يُموّل البنك الدولي موريتانيا؟
بل أصبح:
كم يدرّ كل دولار يتم اقتراضه على الاقتصاد الموريتاني؟
وهنا تكمن المسألة الأساسية.
فطريق يؤدي إلى خفض تكاليف النقل، أو بنية تحتية للطاقة ترفع الإنتاج، أو نظام تعليمي يحسن رأس المال البشري بصورة مستدامة، أو إصلاح يوسع الوعاء الضريبي، يمكن أن يولد عوائد اقتصادية تبرر اللجوء إلى الاقتراض.
أما المشاريع ضعيفة المردودية، أو النفقات التي يتلاشى أثرها سريعاً، أو الاستثمارات التي لا تحظى بالصيانة الكافية، فقد تترك وراءها معادلة أقل بريقاً بكثير:
الأصل يتآكل مع الزمن، لكن الدين يبقى.
الرقم الذي يستحق اهتماماً أكبر
تُظهر البيانات المتاحة إلى غاية 31 أغسطس 2026 أن العلاقة المالية بين موريتانيا والبنك الدولي ليست جديدة، وأن البلاد سبق أن سددت جزءاً مهماً من تمويلاتها التاريخية، فيما لا تزال التزامات مالية قائمة.
لكن الحصيلة الحقيقية للسنوات السبع الماضية لا يمكن قياسها بمجرد جمع مليارات الدولارات التي تم حشدها.
بل ينبغي النظر إلى مؤشرات أخرى: حجم النمو الذي أُنشئ، وعدد فرص العمل التي تم توفيرها، والإيرادات الضريبية الإضافية التي تم توليدها، ومقدار الإنتاجية التي تم اكتسابها، وقدرة الدولة على السداد من دون التضحية بنفقاتها الأساسية.
فقد تنجح دولة ما بدرجة كبيرة في جذب أموال المانحين، لكنها قد تكون أقل نجاحاً في تحويل هذه الأموال إلى ثروة مستدامة.
وبالنسبة لموريتانيا، فإن الفصل المقبل لن يكون متعلقاً بقدرتها على الاقتراض، بل بقدرتها على تحويل ما اقترضته إلى ثروة حقيقية.


