من الصداقة التاريخية إلى الشراكة الاقتصادية: الرياض تعزّز حضورها في موريتانيا
نشر موقع «بوينتس شو» (Points Chauds)، وهو موقع إخباري موريتاني ناطق باللغة الفرنسية ويحظى بانتشار ومتابعة واسعة على المستويين الوطني والإقليمي، بقلم مديره مولاي الناجم مولاي الزين، مقالاً تحليلياً بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ96 لليوم الوطني للمملكة العربية السعودية، تحت عنوان:
«من الصداقة التاريخية إلى الشراكة الاقتصادية: الرياض تعزّز حضورها في موريتانيا».
وهو مقال تحليلي عميق يسلط الضوء على التحولات التي تشهدها العلاقات بين المملكة العربية السعودية والجمهورية الإسلامية الموريتانية، متوقفاً عند طبيعة الحضور السعودي المتنامي في موريتانيا، ولا سيما على الصعيد الاقتصادي والاستثماري.
ويستهل الكاتب تحليله بالإشارة إلى أن الاحتفال بالذكرى الـ96 لليوم الوطني السعودي لم يكن مجرد مناسبة دبلوماسية تقليدية، بل شكّل فرصة جديدة لإبراز عمق العلاقات التاريخية التي تجمع نواكشوط والرياض، وفي الوقت ذاته الكشف عن رغبة المملكة في منح هذه العلاقات بعداً اقتصادياً أكثر حضوراً وفاعلية.
ويؤكد المقال أن المملكة العربية السعودية تُعد من الدول التي تربطها بموريتانيا علاقات راسخة، تقوم على أسس تاريخية ودينية وأخوية وسياسية. غير أن هذه العلاقة بدأت، خلال السنوات الأخيرة، تأخذ منحى جديداً، مع توجه الرياض نحو تعزيز حضورها الاقتصادي في موريتانيا، من خلال استثمارات في قطاعات استراتيجية يمكن أن تساهم في مواكبة التحولات التي يشهدها الاقتصاد الوطني.
وفي كلمته بالمناسبة، أشار سفير خادم الحرمين الشريفين لدى موريتانيا، الدكتور عبد العزيز بن عبد الله الرقابي، إلى هذا التطور، مؤكداً أن العلاقات الثنائية شهدت خلال السنوات الأخيرة تطوراً لافتاً، خاصة في المجالات الاقتصادية والاستثمارية.
سفير يتحرك في الميدان
ومنذ وصوله إلى نواكشوط، شملت تحركات السفير السعودي لقاءات مع مسؤولين حكوميين وفاعلين اقتصاديين وممثلين عن عدد من القطاعات الموريتانية.
ولا تقتصر هذه التحركات على اللقاءات الرسمية والمؤسساتية، إذ شملت أيضاً التواصل مع الفاعلين الاقتصاديين ومختلف مكونات المجتمع.
وفي هذا السياق، التقى السفير بمسؤولي الاتحاد الوطني لأرباب العمل الموريتانيين وبأعضاء الجانب الموريتاني في مجلس الأعمال الموريتاني السعودي، في وقت كان فيه التحضير لاستقبال وفد من رجال الأعمال والمستثمرين السعوديين في نواكشوط.
كما شملت أنشطته مواكبة عدد من المبادرات الاقتصادية والإنسانية والثقافية، إلى جانب لقاءات مع عدد من أعضاء الحكومة ومتابعة مشاريع وبرامج التعاون السعودي في موريتانيا.
وتأتي هذه التحركات في إطار النشاط الدبلوماسي المرتبط بتعزيز العلاقات الثنائية ومتابعة الملفات الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين.
الاستثمار السعودي ينتقل إلى مرحلة جديدة
لكن الإشارة الأكثر أهمية، وفق المقال، تظل اقتصادية بالدرجة الأولى.
فقد حلت بموريتانيا بعثة سعودية تضم نحو 100 رجل أعمال ومستثمر سعودي، برئاسة وزير الاستثمار السعودي، بالتوازي مع إنشاء مجلس الأعمال الموريتاني السعودي بهدف إعطاء دفعة مؤسساتية وتنظيمية أكبر للعلاقات بين القطاع الخاص في البلدين.
كما تم إبرام عدد من اتفاقيات الاستثمار في مجالات الطاقة والزراعة والتنمية الحيوانية والبنية التحتية.
ويبرز مشروع محطة نواكشوط ـ ندياغو الكهربائية العاملة بالغاز، الذي يجري تطويره بالشراكة مع مجموعة أكوا باور (ACWA Power) السعودية، كأحد أبرز مؤشرات هذا التحول.
وتبلغ القدرة الإنتاجية للمشروع 230 ميغاواط، فيما تقدر قيمة الاستثمار بنحو 669 مليون دولار.
وفي المجال الزراعي، تعمل شركة الريف (Al-Reef) السعودية على مشروع واسع النطاق يمتد على مساحة تقارب 53 ألف هكتار، وهو ما يعكس تنامي اهتمام الرياض بالإمكانات الزراعية التي تتمتع بها موريتانيا.
حضور سعودي يعود إلى عقود
غير أن هذا الحضور الاقتصادي المتجدد لا ينطلق من فراغ، بل يستند إلى عقود طويلة من التعاون بين البلدين.
فمنذ عام 1979، ساهم الصندوق السعودي للتنمية في تمويل أكثر من 31 مشروعاً في موريتانيا، إلى جانب مشاريع ومبادرات أخرى تعكس طبيعة التعاون المتعدد الأوجه بين البلدين.
ومن أبرز المشاريع الحالية المستشفى الجامعي الملك سلمان بن عبد العزيز، فضلاً عن تدخلات مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية في موريتانيا.
وفي عام 2026، أطلق المركز في موريتانيا مشروع «سلة إطعام 5»، الذي شمل توزيع 8,402 سلة غذائية استفاد منها نحو 42 ألف شخص.
العلاقة الموريتانية السعودية أمام مرحلة جديدة
ومن خلال قراءة مختلف هذه المعطيات، يخلص المقال إلى أن ملامح التحول أصبحت واضحة.
فبعد عقود اتسمت بالتعاون المؤسساتي والديني والإنساني وتمويل مشاريع التنمية، تبدو العلاقات الموريتانية السعودية اليوم أمام مرحلة جديدة، يحتل فيها الاستثمار المنتج موقعاً متزايد الأهمية.
وتبرز الطاقة والزراعة والبنية التحتية والصحة والأمن الغذائي باعتبارها أبرز محاور هذه الديناميكية الجديدة.
وفي هذا السياق، يأتي نشاط السفارة السعودية في نواكشوط ومتابعة السفير للقاءات والملفات الاقتصادية ضمن الحراك الدبلوماسي الرامي إلى مواكبة هذه المرحلة من العلاقات الثنائية.
وهكذا، فإن الاحتفال باليوم الوطني السعودي في نواكشوط لم يكن مجرد مناسبة للاحتفاء بعلاقة تاريخية راسخة، بل كان أيضاً مناسبة لإبراز حقيقة باتت أكثر وضوحاً:
بين الرياض ونواكشوط، تسعى الصداقة التاريخية اليوم إلى التحول إلى شراكة اقتصادية أكثر حضوراً واتساعاً.
عزة


