نهائي كأس إفريقيا: إساءة استعمال السلطة والانحراف الوزاري… قضية «السائح المدرجات الملعب»
يأتي وقت يتحوّل فيه الصمت المؤسسي من فضيلة الحذر إلى خطيئة كاملة الأركان. إن حضور وزير الشباب والرياضة الموريتاني، محمد عبد الله لولي، نهائي كأس إفريقيا للأمم بالمغرب، يفرض اليوم إخضاع هذا الحدث لفحص صارم، لا من زاوية حزبية، بل من منظور قانوني وأخلاقي وسياسي، ذي أبعاد قد تصل إلى المسؤولية الجنائية.
القضية هنا لا تتعلق بسفر عابر أو مشاركة بروتوكولية عادية، بل تتجاوز ذلك إلى جوهر استعمال الوظيفة الوزارية، وشروط ممارستها، وتداعياتها المباشرة وغير المباشرة على الدولة الموريتانية.
إن وجود الوزير في هذا النهائي لا يمكن اختزاله في زلة تقدير أو خطأ شكلي. نحن أمام فعل سياسي خطير، يكشف انحرافًا عميقًا في مفهوم المسؤولية الحكومية، وتآكلًا مقلقًا في معنى السيادة الوطنية. فلا مهمة رسمية أُعلن عنها، ولا تفويض واضح قُدِّم، ولا تقرير مؤسسي نُشر. لقد تحرك الوزير كضيف شرف، موظفًا صفته الرسمية ليحجز مقعدًا في مدرجات حدث رياضي لا تشارك فيه موريتانيا، ولا يخدم أي مصلحة وطنية مُعرَّفة.
من هنا تبرز تساؤلات جوهرية، ذات أبعاد دبلوماسية ثقيلة: أيّ الفريقين النهائيين، وكلاهما يُصنَّف صديقًا وشقيقًا لموريتانيا، ذهب وزير «سائح مدرجات» لتشجيعه؟ المغرب أم السنغال؟
إن الإجابة، وإن بدت رياضية في ظاهرها، إلا أنها سياسية بامتياز، وقادرة على وضع الدبلوماسية الموريتانية في موقف حرج، أو خلق سوء فهم غير ضروري مع أحد الشريكين الاستراتيجيين. ففي بيئة إقليمية حساسة، قد يكون لرمز صغير أو موقف عابر أثرٌ يفوق حجمه، ويُربك توازنات شُيّدت بصبر.
لم يعد الأمر هنا خفة تصرف، بل مصادرة فجة للوظيفة العمومية لأغراض شخصية.
وتزداد خطورة الملف عند طرح سؤال التمويل. فإذا كان هذا التنقل قد تم على نفقة المال العام، فنحن أمام تبديد أخلاقي — إن لم يكن قانونيًا — لأموال دافعي الضرائب. في بلد يعاني هشاشة البنى التحتية الرياضية، وتهميش فئة الشباب، وضغط الأولويات الاجتماعية، فإن مثل هذا الإنفاق لا يُعد سوى إهانة سياسية صريحة.
أما إذا كانت النفقات قد تكفلت بها جهة ثالثة، فالمسألة تصبح أشد خطورة. إذ يكون وزير في حكومة جمهورية قد وُضع في وضعية رعاية مادية من طرف خارجي، بما يخلق تلقائيًا حالة تضارب مصالح محتملة، وتبعية ضمنية، والتزامًا غير معلن، يتنافى مع استقلالية القرار العمومي. ووفق منطق الحوكمة الرشيدة، فإن المسؤول الذي يُموَّل من طرف ثالث يصبح عُرضة للتأثير الخارجي والمقايضات الضمنية، وهو أمر لا يمكن لأي دولة قانون أن تتسامح معه.
وتبقى المسألة المحورية هي مصدر القرار ذاته: هل اتُّخذ هذا السفر بقرار سيادي من نواكشوط، أم كان ثمرة تأثير خارجي عبر قنوات غير رسمية؟ إذا ثبت الاحتمال الثاني، فنحن أمام حالة خضوع سياسي، كلي أو جزئي، بالغة الخطورة، ولا تنسجم إطلاقًا مع أبسط مقومات الدولة ذات السيادة.
ويزداد هذا الخضوع خطورة لأنه قادر على التأثير في ملفات استراتيجية وحساسة بالنسبة لموريتانيا، بما في ذلك مجالات يُروَّج لها زورًا على أنها غير سياسية. فالجميع يعلم أن بعض القرارات والتصويتات داخل الهيئات الرياضية الدولية، لا سيما الكروية، تحمل أبعادًا سياسية واضحة. كرة القدم الإفريقية ليست فضاءً بريئًا، بل ساحة صراعات وتحالفات ونفوذ، يعرفها جيدًا اللاعبون داخلها. والتظاهر بالجهل هنا إما قصور فادح أو سوء نية صريح.
ولست مختصًا في كرة القدم ولا من عشاقها، لكن من المسلّم به أن آليات التأثير والتحالف وموازين القوى داخل المؤسسات الرياضية الإفريقية والدولية معروفة لدى الفاعلين فيها. ويكفي التذكير بأن أكثر من عامين شهدا حرمان نحو 470 ألف فلسطيني وفلسطينية من الغذاء، وسقوط أكثر من 75 ألف ضحية، بينهم رُضّع وعائلات كاملة، وكأن فرقًا رياضية مُسحت من الوجود. ورغم ذلك، تواصل أندية إسرائيلية النشاط في مستوطنات غير شرعية، ويستمر تمجيد العنصرية ضد الفلسطينيين، في انتهاك صارخ للقانون الدولي وللقيم التي تدّعي الفيفا الدفاع عنها، بينما لا تزال إسرائيل حاضرة في جميع المنافسات العالمية.
والمقارنة مع روسيا فاضحة. أيام معدودة كانت كافية لإقصائها من قبل الفيفا عقب غزو أوكرانيا، بلا تظاهرات كبرى ولا نقاشات مطولة. أما إسرائيل فتحظى بمعاملة تفضيلية غير مفهومة، رغم أن رئيس وزرائها ملاحق بمذكرة توقيف دولية بتهمة الإبادة الجماعية. ازدواجية معايير، ونفاق فجّ… وخلاصة مرة.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن كأس إفريقيا 2025 قد كشف جزءًا من هذا «الجبل الجليدي» الذي لا يمكن تجاهله.
ويكفي التمعّن في مسار أحمد يحيى، رئيس الاتحاد الموريتاني لكرة القدم، لإدراك أن الرياضة لم تعد مجالًا محايدًا. فمَن يُحسن فهم آلياتها يعلم أن بعض التوجهات قد تُقيد موقع دولة لسنوات. وفي هذا السياق، قد يصبح وزراء غير مهيئين — أو متساهلين — أدوات في يد أطراف خارجية، تُوظف جهلهم بتعقيدات المشهد الرياضي الدولي لتوجيه مواقف الدولة.
وهكذا قد يجد البلد نفسه داعمًا لتصويتات أو تحالفات تُنتج لاحقًا عداءً أو نزاعات لم يسعَ إليها، ولم يخطط لها، ولم يستحقها. فيُضحّى بالمصلحة العامة لصالح مصالح فردية أو قطاعية، وتُشوَّه عملية اتخاذ القرار، وتُفرَّغ المسؤولية السياسية من مضمونها.
لم تعد مصالح الأمة هي البوصلة، بل حسابات وزارة، أو مسؤول، أو شبكة نفوذ، تُقدَّم فيها الحسابات الشخصية على المصلحة الوطنية. ويُدفَع بالحكومة لتحمّل تبعات دبلوماسية ورياضية جسيمة، دون وعي كامل بكلفتها. وهكذا تتسلل، بهدوء واستمرارية، خسارة فادحة للسيادة الوطنية.
وفي مثل هذا السياق، لا بد من تسمية الخطر باسمه: موريتانيا قد تنزلق نحو نموذج مُهين، تُصبح فيه بعض المناصب الوزارية كأنها «مُلحقة» بدول أجنبية نافذة، لا تعمل كخدمة خالصة للدولة الموريتانية، بل كوسائط لمصالح خارجية. وزير لهذا البلد، وآخر لذاك.
وتكشف هذه القضية، في جوهرها، انحرافًا أعمق وأشد تآكلًا: طبقة حاكمة تخلط بين الوظيفة العمومية والفرصة الشخصية. وزراء لا يحكمون، بل يستعرضون. يجمعون الدعوات وبطاقات التعارف والعلاقات، لا لخدمة الدولة، بل لتحضير ما بعد السلطة، وبيع غدًا ما أُؤتمنوا عليه اليوم. وذلك هو التعريف الدقيق لتضارب المصالح المشدد.
الدولة المحترمة لا تُدار بهذا الشكل. والدولة ذات السيادة لا تقبل بوزراء تموّلهم أطراف خارجية، ولا بمسؤولين يضحّون بالمصلحة الوطنية على مذبح الطموح الشخصي. وطالما ظلت هذه الانحرافات بلا مساءلة ولا محاسبة ولا عقاب، فإن سيادة موريتانيا ستواصل تآكلها، قرارًا بعد قرار، وصمتًا بعد صمت.
قد يبدو هذا التنقل، إذا أُخذ منفردًا، مجرد طيش عابر. لكنه، في مجمله، يُشكّل قرينة قوية على إساءة استعمال السلطة، وتضارب المصالح، والتمويل غير المشروع، وخطر التأثير الأجنبي. أما صمت السلطات، فليس حيادًا، بل تقصير سياسي جسيم.
إن الدولة التي لا تطالب وزراءها بالحساب تقبل، عمليًا، بأن تصبح سيادتها قابلة للمساومة. والأمة التي تُطبع مع هذه الانحرافات تُهيّئ، ببطء ولكن بثبات، شروط إضعافها الذاتي.
مولاي الناجم مولاي الزين
مصدر: ابوين شو
ترجمة الحقائق
مواضيع ذات صلة
