جملة تقنية واحدة في تقرير أممي كانت كافية لإشعال موجة من التأويلات على ضفتي الحدود الشمالية لموريتانيا. وبعد أيام من التكهنات حول “مطالب موريتانية” بالكويرة و”صفقة” محتملة مع الرباط، خرجت الحكومة عن صمتها مساء الأربعاء 21 أكتوبر لتضع النقاط على الحروف: لا مطالب، ولا تنازلات، ولا جديد في الملف، بل حرص على حدود واضحة لا تحتمل اللبس.
ناطق جديد.. وملف قديم
لم يكن الوزير محمد ولد ببانه، الذي يتولى حقيبة الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان ويشغل منصب الناطق الرسمي باسم الحكومة الجديدة، يتوقع على الأرجح أن يكون أول ملف ساخن يواجهه في مؤتمره الصحفي الأول ملفاً حدودياً بهذه الحساسية.
وأكد الوزير أن الحكومة متمسكة بموقفها الثابت الداعم لحل سلمي متوافق عليه تحت رعاية الأمم المتحدة، وأن هذا هو بالضبط وضع النقطة في الوقت الراهن. ورفض تحميل المسألة أكثر مما تحتمل، أو نسبة مطالب إلى موريتانيا لم تعلنها، مشدداً على أن علاقات البلاد بجيرانها، ولا سيما في الشمال، علاقات ممتازة.
أما الغاية من الدعوة إلى توضيح الحدود، فلخّصها الناطق في تفادي أي غموض قد تترتب عليه آثار أمنية أو قانونية أو اقتصادية.
من سطر في تقرير دي ميستورا إلى “سيناريوهات المقايضة”
تعود شرارة الجدل إلى التقرير الذي قدمه المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء الغربية، ستافان دي ميستورا، أمام مجلس الأمن. فقد أشار التقرير إلى اقتراح موريتاني طُرح خلال مفاوضات مدريد في فبراير الماضي، يقضي بتشكيل لجنة تتولى، بطريقة توافقية، تحديد الحدود الدولية النهائية والدائمة للإقليم المتنازع عليه.
غير أن العبارة سرعان ما تجاوزت سياقها التقني. فقد ذهبت قراءات إعلامية إلى الحديث عن رغبة موريتانية في انتزاع اعتراف بسيادتها على الكويرة، بل ذهب بعضها أبعد، متحدثاً عن مقايضة تعترف بموجبها نواكشوط بسيادة المغرب على الصحراء مقابل ترتيبات تخص المدينة الواقعة في أقصى جنوب الإقليم.
أبرز النقاط
- متى: مساء الأربعاء 21 أكتوبر 2026، في المؤتمر الصحفي الأسبوعي للحكومة.
- من: الوزير الناطق باسم الحكومة محمد ولد ببانه.
- الموقف: دعم حل سلمي توافقي برعاية أممية، ونفي أي مطالب أو تنازلات.
- أصل الجدل: إشارة في تقرير أممي إلى مقترح موريتاني بلجنة لتوضيح الحدود، طُرح في مفاوضات مدريد في فبراير 2026.
- الهدف المعلن: تفادي الغموض الأمني والقانوني والاقتصادي.
الرباط: لا غموض في انتماء المدينة
في المغرب، حيث تحمل الكويرة رمزية خاصة في خطاب الوحدة الترابية، تلقّت وسائل الإعلام التوضيح الموريتاني باعتباره نفياً لأي مطالب بالمدينة. وأكدت صحف مغربية أنه لا غموض، من وجهة نظر الرباط، في انتماء الكويرة، معتبرة أن نواكشوط تسعى إلى توضيح الحدود دون ادعاءات جديدة.
واختارت قراءات مغربية أخرى زاوية مختلفة، إذ ركزت على المجال البحري، مشيرة إلى غياب اتفاق معلن لترسيم الحدود البحرية قبالة رأس نواذيبو. وهي نقطة قد تكون، في نظر عدد من المتابعين، أقرب إلى جوهر الانشغال الموريتاني من أي حسابات ترابية.
نواذيبو.. حيث تتحول الجغرافيا إلى مصلحة
فبينما تُقرأ الكويرة في الرباط بلغة الرموز والسيادة، تُقرأ في نواكشوط بلغة الأمن والاقتصاد. فالمدينة شبه المهجورة منذ عقود تقع على الطرف الآخر من شبه جزيرة رأس نواذيبو، على مرمى حجر من العاصمة الاقتصادية لموريتانيا، بموانئها ومصائدها ونشاطها التجاري. وأي غموض في حدود البر أو البحر هناك يعني عملياً أسئلة مفتوحة حول الصيد والملاحة والمراقبة الأمنية.
وكانت موريتانيا قد طوت صفحة مطالبها في الصحراء منذ خروجها من الحرب عام 1979 بموجب اتفاق الجزائر، لكن الجغرافيا بقيت حاضرة بحكم الجوار. وظلت الكويرة طوال هذه العقود منطقة استثنائية، معلقة بين نزاع لم يُحسم وواقع ميداني لم تُصغ له تسوية مستقلة.
دبلوماسية الهدوء في زمن الحساسيات
بهذا التوضيح، تبدو نواكشوط حريصة على الحفاظ على الخط الذي ميّز سياستها الخارجية في السنوات الأخيرة: حياد إيجابي في نزاع الصحراء، وعلاقات متوازنة مع كل من الرباط والجزائر، ورفض الانجرار إلى معارك إعلامية. غير أن الجدل الأخير كشف أيضاً أن أي كلمة موريتانية في هذا الملف تُوزن بميزان الذهب، وأن مسار المفاوضات الأممية، كلما تقدّم، سيفرض على نواكشوط أن تقول بوضوح أكبر ما تريده لحدودها، قبل أن يقوله الآخرون نيابة عنها.


