موريتانيا في مرآة واشنطن: إصلاحات على الورق وعوائق مؤسسية تُربك المستثمرين
موريتانيا في مرآة واشنطن: إصلاحات على الورق وعوائق مؤسسية تُربك المستثمرين
تقرير وزارة الخارجية الأمريكية لعام 2026 يكشف عن اختلالات في منظومة القضاء والعقار والقطاع المصرفي، إلى جانب تحديات مكافحة الفساد، ويضع فعالية الإصلاحات الحكومية على المحك رغم المؤشرات الإيجابية المسجلة في تحسين مناخ الأعمال.
تسعى موريتانيا إلى تعزيز جاذبيتها الاستثمارية واستقطاب مزيد من رؤوس الأموال الأجنبية، غير أن الطريق إلى تحقيق هذا الهدف لا يزال محفوفاً بعقبات هيكلية تتجاوز حدود التشريعات والإجراءات الإدارية. فبحسب تقرير وزارة الخارجية الأمريكية حول مناخ الاستثمار في موريتانيا لعام 2026، ما زالت أوجه القصور في أداء القضاء، وتعقيدات الملكية العقارية، ومحدودية مصادر التمويل، فضلاً عن تحديات تطبيق قواعد مكافحة الفساد، تؤثر في ثقة المستثمرين وتحد من قدرة الاقتصاد على استثمار إمكاناته بالكامل.
ويكشف التقرير عن فجوة بين الإصلاحات التي اعتمدتها السلطات الموريتانية خلال السنوات الأخيرة والواقع العملي الذي تواجهه الشركات والمستثمرون. فوجود إطار قانوني مشجع للاستثمار، على أهميته، لا يكفي وحده لضمان بيئة أعمال تنافسية؛ إذ تظل فعالية المؤسسات، وسرعة الإجراءات، وقابلية القواعد للتطبيق بصورة واضحة ومتسقة، عوامل حاسمة في توجيه القرارات الاستثمارية.
القضاء.. حين يتحول بطء العدالة إلى كلفة اقتصادية
يشكل أداء المنظومة القضائية أحد أبرز التحديات التي أشار إليها التقرير الأمريكي، الذي سجل استمرار بطء الإجراءات، وصعوبات تنفيذ الأحكام، فضلاً عن وجود بعض أوجه عدم الاتساق في القرارات القضائية.
ولا تقتصر آثار هذه الاختلالات على المتقاضين، بل تمتد إلى النشاط الاقتصادي برمته. فالمستثمر الذي لا يملك ضمانات كافية بشأن سرعة الفصل في النزاعات التجارية أو تنفيذ الأحكام الصادرة فيها، يجد نفسه أمام مخاطر إضافية قد تؤثر في حساباته وتزيد من كلفة مشروعاته.
وفي بيئة الأعمال، لا تقاس الثقة بالقوانين وحدها، وإنما بمدى قدرة المؤسسات على إنفاذها بصورة فعالة ومتوقعة. ومن هذا المنطلق، فإن إصلاح القضاء لا يمثل مجرد استحقاق قانوني، بل يعد أحد الشروط الأساسية لتعزيز الثقة في الاقتصاد الموريتاني وتحسين قدرته على جذب الاستثمارات طويلة الأجل.
العقار.. الحلقة الأضعف في تأمين الاستثمارات
تظل إشكالية الملكية العقارية من بين العقبات التي تعقد تنفيذ المشروعات الاستثمارية في موريتانيا. ويشير التقرير إلى استمرار حالة من عدم اليقين بشأن الوضع القانوني للعقارات في مناطق واسعة من البلاد، في ظل غياب سندات ملكية واضحة لبعض الأراضي وتكرر النزاعات المرتبطة بها.
وتبرز هذه الإشكالات بصورة خاصة في المناطق المحاذية لنهر السنغال، حيث يمكن للنزاعات العقارية أن تعرقل إطلاق المشروعات أو تؤخر تنفيذها، فضلاً عن تعريض المستثمرين لمخاطر قانونية وإجرائية إضافية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى المشروعات الزراعية والصناعية ومشروعات البنية التحتية، التي يتوقف تنفيذها على توافر أراضٍ ذات وضعية قانونية مستقرة. ومن دون معالجة جذرية لإشكالات الملكية وتسوية النزاعات، قد تظل الحوافز الاستثمارية والإصلاحات الإدارية محدودة الأثر في القطاعات الأكثر حاجة إلى رؤوس الأموال.
القطاع المصرفي.. تمويل محدود وتكلفة مرتفعة
في القطاع المصرفي، يرصد التقرير وجود 18 مصرفاً محلياً، مع استمرار هيمنة المؤسسات المصرفية العائلية المرتبطة، في كثير من الحالات، بمجموعات أعمال. ويثير هذا الوضع تساؤلات بشأن شفافية الرقابة المصرفية ومدى تكافؤ فرص الوصول إلى التمويل.
وتعتمد الشركات الموريتانية أساساً على القروض المصرفية لتلبية احتياجاتها التمويلية، في ظل محدودية البدائل المتاحة أمامها. كما أن ارتفاع تكلفة الاقتراض وتعقيد بعض الإجراءات المصرفية يزيدان من الأعباء التي تواجه المؤسسات الراغبة في التوسع أو إطلاق مشروعات جديدة.
ويشير التقرير إلى أن موريتانيا لم تكن قد شهدت، حتى منتصف عام 2026، قيام سوق مالية فعالة تتيح للشركات تعبئة الأموال من خلال إصدار الأسهم والسندات، رغم اعتماد قانون لإنشاء هذا السوق في ديسمبر 2024.
ويمثل غياب سوق مالية نشطة أحد القيود التي تحد من تنويع مصادر التمويل، وتبقي المؤسسات الاقتصادية رهينة إلى حد كبير لشروط الائتمان المصرفي. ومن شأن تطوير أدوات تمويل بديلة أن يوسع فرص حصول الشركات على رؤوس الأموال، ويعزز قدرتها على الاستثمار والنمو.
مكافحة الفساد.. من التشريع إلى اختبار الفعالية
على صعيد مكافحة الفساد، يسجل التقرير خطوات مؤسسية، من بينها اعتماد تشريعات جديدة في عام 2025 وإنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في أبريل 2026.
ومع ذلك، يشير التقييم الأمريكي إلى أن التحدي الأساسي لا يكمن في إصدار القوانين أو إنشاء الهيئات فحسب، بل في ضمان انتظام تطبيق الإجراءات، وفعالية الرقابة، وقدرة المؤسسات المختصة على تحقيق نتائج ملموسة.
فنجاح السياسات الرامية إلى تعزيز النزاهة يرتبط بمدى تحول النصوص القانونية إلى ممارسات فعلية، وبوجود آليات رقابية قادرة على الحد من التجاوزات وتعزيز الشفافية في المعاملات الاقتصادية والإدارية.
وبالنسبة إلى المستثمرين، فإن وضوح القواعد وتكافؤ تطبيقها يشكلان عنصرين أساسيين في تقدير المخاطر، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمشروعات طويلة الأجل تتطلب استقراراً مؤسسياً وقانونياً.
إصلاحات حكومية تواجه امتحان التطبيق
على الرغم من هذه الاختلالات، لا يقدم التقرير صورة سلبية بالكامل عن مناخ الاستثمار في موريتانيا. فهو يقر بوجود جهود حكومية لتحسين بيئة الأعمال، من خلال مراجعة مدونة الاستثمار في عام 2025، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتطوير الخدمات الرقمية، وتعزيز الضمانات القانونية الممنوحة للمستثمرين.
وتشكل هذه الخطوات أساساً مهماً لتقليص الأعباء الإدارية وتسهيل تأسيس الشركات وتنفيذ المشروعات. غير أن أثرها الفعلي سيظل مرتبطاً بمدى تطبيقها على أرض الواقع، وبقدرة المؤسسات المعنية على توفير خدمات أكثر سرعة وشفافية واتساقاً.
وبذلك، يتمثل التحدي أمام السلطات في الانتقال من مرحلة تحديث التشريعات والإجراءات إلى مرحلة تحقيق نتائج ملموسة يشعر بها المستثمرون في تعاملاتهم اليومية مع الإدارات والمؤسسات القضائية والمالية.
نمو اقتصادي يعتمد على الصناعات الاستخراجية
اقتصادياً، يشير التقرير إلى تراجع معدل النمو في موريتانيا من 6.3% عام 2024 إلى 4.2% عام 2025، مع توقع ارتفاعه إلى 4.8% في عام 2026، مدفوعاً أساساً بنشاط الصناعات الاستخراجية.
ويعكس هذا المسار استمرار الدور المحوري للموارد الطبيعية في تحريك الاقتصاد الوطني، لكنه يسلط الضوء أيضاً على أهمية تنويع مصادر النمو، وتوسيع قاعدة الإنتاج، وتعزيز الاستثمار في القطاعات القادرة على خلق فرص عمل وتوفير قيمة مضافة للاقتصاد.
وفي هذا السياق، تبرز الزراعة والصيد البحري باعتبارهما من المجالات التي توفر فرصاً استثمارية واعدة. غير أن استغلال هذه الفرص يتطلب معالجة العقبات المرتبطة بالملكية العقارية، وتسهيل الوصول إلى التمويل، وتحسين آليات تسوية النزاعات التجارية.
فامتلاك الموارد الطبيعية والإمكانات الإنتاجية لا يضمن وحده تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة، ما لم تصاحبه بيئة مؤسسية قادرة على تحويل تلك الإمكانات إلى مشروعات منتجة واستثمارات مستمرة.
الرهان الحقيقي: استعادة ثقة المستثمرين
تضع الخلاصات التي توصل إليها التقرير الأمريكي مسألة فعالية المؤسسات في صلب النقاش حول مستقبل الاستثمار في موريتانيا. فالجاذبية الاقتصادية لا تتحدد فقط بحجم الموارد الطبيعية أو الحوافز التي توفرها الدولة، وإنما تتأثر أيضاً بمدى وضوح القواعد القانونية، واستقرار الملكية، وفعالية القضاء، وشفافية المعاملات، وتوافر التمويل بشروط مناسبة.
وتمتلك موريتانيا فرصاً مهمة في قطاعات التعدين والزراعة والصيد البحري، فضلاً عن إمكانات أخرى يمكن أن تدعم تنويع الاقتصاد وتوسيع قاعدة الإنتاج. لكن تحويل هذه الفرص إلى استثمارات فعلية ومستدامة يظل رهيناً بقدرة الإصلاحات على معالجة الاختلالات المؤسسية التي تحد من ثقة المستثمرين.
والخلاصة أن التحدي أمام نواكشوط لم يعد مقتصراً على سن القوانين وإعلان الإصلاحات، بل أصبح مرتبطاً بمدى قدرتها على إثبات أن هذه الإصلاحات تغيّر فعلياً قواعد العمل الاقتصادي، وتوفر للمستثمر ضمانات واضحة لحماية حقوقه وتنفيذ مشروعاته في بيئة تتسم بالشفافية والاستقرار وقابلية التنبؤ.


