مليارات غزة بين الغموض والصمت.. ومولاي الناجم: أين الدولة وأين الإعلام؟
أشعلت افتتاحية الصحفي الموريتاني الفرنكوفوني البارز مولاي الناجم مولاي الزين، مدير صحيفة “بوينت شو”، نقاشاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي وفي الأوساط الإعلامية والسياسية، بعد تناوله لملف تبرعات الموريتانيين الموجهة إلى غزة، في مقال حمل عنوان “غزة… مليارات التبرعات المفقودة وصمت المتواطئين”.
ولم يكتفِ الكاتب بطرح تساؤلات حول مصير الأموال التي جُمعت باسم دعم الشعب الفلسطيني، بل قدم قراءة سياسية وإعلامية حادة لما يعتبره حالة صمت غير مبررة تجاه قضية أثارتها تصريحات السفير الفلسطيني في موريتانيا، بشير أبو حطب، الذي أكد أن تلك الأموال لم تصل إلى مستحقيها في قطاع غزة.
ويرى مولاي الزين أن القضية لم تعد مجرد ملف مالي أو إداري، بل تحولت إلى اختبار حقيقي للشفافية والمساءلة، خصوصاً في ظل غياب أي توضيحات رسمية أو عمليات تدقيق معلنة تكشف للرأي العام مسار الأموال التي جُمعت خلال حملات التضامن مع غزة.
ومن بين أكثر المقاطع إثارة للانتباه في الافتتاحية، حديث الكاتب عن “الصمت المريب” الذي التزمته بعض المنابر الإعلامية. فبحسب قراءته، فإن هذا الصمت لا يمكن تفسيره بالحياد المهني أو غياب المعلومات، بل يلمّح إلى وجود اعتبارات سياسية وإيديولوجية حالت دون فتح هذا الملف بالنَّفَس النقدي نفسه الذي تُعالج به قضايا أخرى.
ويذهب الكاتب أبعد من ذلك حين يلمح، دون تسمية مباشرة، إلى أن جزءاً من الإعلام المحسوب على التيار الإسلامي أو المتعاطف معه وجد نفسه في موقف حرج أمام القضية، نظراً لارتباط ملف التبرعات، في الوعي العام، بجهات وشخصيات تنتمي إلى هذا الفضاء السياسي أو تدور في فلكه. ولهذا كتب أن أسباب هذا الصمت “يعرفها الجميع وإن لم تُقل علناً”، في إشارة فهمها كثير من المتابعين على أنها انتقاد لانتقائية بعض وسائل الإعلام في تناول ملفات الفساد أو سوء التسيير بحسب هوية الأطراف المعنية.
وفي هذا السياق، يبرز الكاتب ما يعتبره مفارقة لافتة؛ إذ بينما اعتادت بعض المنابر خوض معارك إعلامية حادة بشأن ملفات أقل حجماً أو تأثيراً، اختارت هذه المرة التزام الصمت تجاه قضية تتعلق بأموال جُمعت باسم مأساة إنسانية هزّت ضمير العالم.
كما تحمل الافتتاحية رسالة سياسية أعمق تتجاوز ملف التبرعات نفسه. فمولاي الزين يطرح القضية باعتبارها نموذجاً لطبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع والإعلام، ويرى أن غياب الشفافية في مثل هذه الملفات يفتح الباب أمام الشائعات والتأويلات ويضعف ثقة المواطنين في المؤسسات وفي العمل الخيري والإنساني عموماً.
وفي خاتمة مقاله، ينتقل الكاتب من الحديث عن المسؤوليات المباشرة إلى توجيه نقد ضمني لما يسميه بعض المراقبين “منظومة الصمت داخل النظام” أو ما يمكن وصفه بـ”كثبان الرمال المتحركة” التي تبتلع الحقائق والملفات الحساسة. فالمعنى الذي يحمله ختام الافتتاحية لا يقتصر على البحث عن الأموال المفقودة، بل يتجاوز ذلك إلى التساؤل حول قدرة المؤسسات على كشف الحقيقة مهما كانت الجهة المعنية بها.
ومن خلال هذه الخلاصة، يبدو أن مولاي الناجم مولاي الزين لا يتهم طرفاً بعينه بقدر ما يوجه اتهاماً سياسياً وأخلاقياً لمنظومة كاملة يعتبر أنها فضلت الصمت على الشفافية، والتستر على المساءلة. ولهذا فإن السؤال الذي يطرحه في نهاية مقاله لا يتعلق فقط بمصير الأموال، بل بمصير الثقة العامة نفسها:
إذا كانت التبرعات لم تصل إلى غزة، فمن يتحمل مسؤولية كشف الحقيقة؟ ومن يملك الجرأة على كسر جدار الصمت المحيط بهذا الملف؟
وبهذا المعنى، تحولت افتتاحية مولاي الزين من مجرد مقال رأي إلى مرافعة صحفية وسياسية تضع الرأي العام أمام أسئلة محرجة حول الشفافية والمحاسبة وحدود استقلالية الإعلام في التعاطي مع القضايا المرتبطة بالمال والعمل الإنساني.
عزة مولاي الحسن عبد المالك


