للوهلة الأولى، تبدو موريتانيا وكأنها تحقق ما يُنتظر من “التلميذ النموذجي” لصندوق النقد الدولي: نمو إيجابي، تضخم تحت السيطرة، وعجز محدود، إلى جانب إصلاحات يُقال إنها تسير في الاتجاه الصحيح. سردية متماسكة ومطمئنة في ظاهرها. غير أن هذه الصورة تخفي واقعًا أكثر تعقيدًا، وأقل اطمئنانًا بكثير.
ذلك أن هذا الاستقرار يقوم على أسس ضيقة. فالاقتصاد الموريتاني لا يزال يعتمد بشكل كبير على الصناعات الاستخراجية — الحديد والذهب والغاز — التي تمثل العمود الفقري للإيرادات وآفاق النمو. هذا الاعتماد، الذي يُقدَّم غالبًا كميزة، يشكل في الحقيقة مصدر هشاشة بنيوية، إذ يعرّض البلاد لتقلبات الأسواق العالمية ويؤخر تنويع الاقتصاد، وهو ما تؤكد المؤسسات الدولية نفسها على ضرورته.
بل إن صندوق النقد الدولي يقر، وإن بشكل غير مباشر، بأن هذه الديناميكية ليست مستدامة بالكامل. فبعد فترة من النمو النسبي، يُتوقع أن يستقر النشاط الاقتصادي عند مستويات متوسطة، في ظل تباطؤ محتمل في القطاع الاستخراجي وتزايد الضبابية في الاقتصاد العالمي. بعبارة أخرى، المحرك الأساسي للنمو بدأ يُظهر حدود قدرته، دون وجود بدائل حقيقية جاهزة.
لكن الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع تتجلى بشكل أوضح في مجالات أخرى.
فقد كشفت الأزمة الطاقوية الأخيرة عن اختلالات عميقة في إدارة الموارد. نقص في الإمدادات، توتر في السوق، وضعف في إدارة مخزون المحروقات — كلها مؤشرات على محدودية القدرة على الاستشراف والتخطيط. في اقتصاد يعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة، لا يمكن اعتبار هذه الاختلالات مجرد حوادث عابرة، بل تعكس خللًا هيكليًا في الحوكمة.
ومع ذلك، نادرًا ما يتم التطرق إلى هذه المسائل في الخطاب الرسمي. كما تغيب عنها الشفافية في عرض الحقائق.
فالمداولات بين صندوق النقد الدولي والسلطات الموريتانية تُجرى غالبًا في نطاق ضيق، بينما تبقى المؤتمرات الصحفية محدودة، إن لم تكن شكلية. وغالبًا ما يُدعى إليها صحفيون من وسائل إعلام عمومية أو يتم اختيارهم دون توفر خبرة كافية في الشأن الاقتصادي، ما يحد من عمق النقاش ويُضعف الطرح النقدي. هذا النقص في التعددية يُسهم في تكريس رواية أحادية تُقلّل من حجم التحديات القائمة.
غير أن هذه التحديات حقيقية وملموسة.
فالنمو الحالي لا ينعكس بالضرورة على خلق فرص عمل كافية، كما أنه يظل ضعيف الأثر من حيث الشمول الاجتماعي. وكما هو الحال في العديد من الاقتصادات الريعية، تتركز الثروة في قطاعات محدودة، بينما تستمر الفوارق الاجتماعية. وتشير دراسات اقتصادية إلى أن برامج صندوق النقد، خاصة تلك التي تعتمد على سياسات تقشفية، قد تُفاقم من هذه الاختلالات بدل معالجتها.
إلى جانب ذلك، تظل موريتانيا عرضة لجملة من المخاطر: عجز في الحساب الجاري، اعتماد على التمويلات الخارجية، وتأثر مباشر بالتقلبات المناخية والتحديات الأمنية في محيط إقليمي هش. حتى تقارير الصندوق نفسها تُحذر من “مخاطر تميل نحو التراجع”، في إشارة واضحة إلى هشاشة المسار الحالي.
في هذا السياق، يبرز تساؤل أعمق، وإن كان نادر الطرح بشكل صريح: لماذا يستمر هذا النموذج في نيل الدعم؟
الجواب يكمن جزئيًا في طبيعة العلاقة بين المؤسسات المالية الدولية وبعض الدول. فالبيئات التي تقل فيها الضغوط الداخلية، ويُدار فيها النقاش العام بشكل محدود، توفر ظروفًا أكثر قابلية للتوقع لتنفيذ البرامج الاقتصادية. وهنا، يصبح الاستقرار المُعلن ليس فقط هدفًا اقتصاديًا، بل أيضًا إطارًا سياسيًا ضمنيًا.
ومع ذلك، يبقى هذا الاستقرار عرضة للتشكيك إذا لم يُرافقه تحول حقيقي في بنية الاقتصاد.
تمتلك موريتانيا مقومات مهمة: موارد طبيعية معتبرة، موقع جغرافي استراتيجي، وإمكانات واعدة في مجال الطاقة. غير أن غياب تنويع اقتصادي فعلي، وضعف الحوكمة، وغياب نقاش عمومي مفتوح حول الخيارات الاقتصادية، قد يحول هذه المقومات إلى عامل إدامة لنموذج هش بدل أن تكون رافعة للتغيير.
في المحصلة، لا يمثل الاتفاق مع صندوق النقد الدولي قطيعة بقدر ما يعكس استمرارية: استقرار في الظاهر، وهشاشة في العمق، واقتصاد لا يزال يبحث عن أسس أكثر صلابة.


