خطة وطنية تحقق السيادة الطاقية وتوفر 140 مليار فرنك سنوياً، بينما تتخلف موريتانيا الشريكة عن ركب المنفعة الفورية
داكار – أعلن رئيس الوزراء السنغالي، أوسمان سونكو، عن تحول تاريخي في مسار بلاده نحو الاستقلال الطاقي، يتمثل في وضع حد نهائي لعمليات استيراد الغاز بدءاً من عام 2026. جاء ذلك خلال حصيلة قدمها لقطاع الخاص في العاصمة داكار، مؤكداً أن هذه النقلة النوعية، والمُمَكَّنة من خلال استغلال الموارد الوطنية، ستمثل توفيراً مالياً ضخماً للدولة يقدر بحوالي 140 مليار فرنك أفريقي (CFA) سنوياً.
وأوضح رئيس الحكومة أن تحقيق هذا الاكتفاء الذاتي من الغاز سينعكس إيجاباً وبشكل مباشر على المواطن، من خلال خفض تكلفة الكهرباء وتحسين ملموس في القوة الشرائية للسنغاليين. وترتكز هذه الاستراتيجية الفائزة على الإنتاج من حقل “غراند تورتوا أحيميم” (GTA) للغاز، الذي يتم استغلاله بشكل مشترك مع جارة البلاد، موريتانيا.
ووفقاً للاتفاقيات الثنائية، يتقاسم البلدان حصيلة يومية من الغاز تقدر بـ 30 مليون متر مكعب مخصصة للاستهلاك المحلي لكل منهما. إلا أن مساري الشريكين يتفاوتان بشكل جذري من حيث التنفيذ والاستفادة الفعلية.
السنغال تفعِّل الحل.. وموريتانيا تعاني خسارة فادحة
بينما سارعت السنغال إلى توظيف حصتها مباشرة لتغذية محطة “كاب دي بيش” (Cap des Biches) الكهربائية، محولة المورد إلى طاقة فورية وادخارات ملموسة، تتخلف موريتانيا عن اللحاق بهذا المسار بسبب التأخير في تطوير بنيتها التحتية الداخلية لمعالجة وتوزيع الغاز، مما يجعلها عاجزة عن استخدام حصتها المُخصصة لها.
تشكل هذه الوضعية خسارة مالية واستراتيجية فادحة لنواكشوط. إذ يعاد حقن الغاز الذي لا تستطيع استهلاكه حالياً في دائرة التصدير، أو يترك دون استغلال. وبالتالي، تحرم البلاد نفسها من منافع الطاقة الأرخص لصناعاتها ومنازلها، وتواصل الاعتماد على حلول أكثر كلفة، على الرغم من ثروتها من الموارد.
يخلق هذا الاختلاف تبايناً صارخاً: فبينما تستخدم السنغال مشروع (GTA) كرافعة للسيادة الطاقية والكسب الاقتصادي الفوري، فإن موريتانيا، وإن كانت تستفيد من عوائد التصدير، إلا أنها تتعثر في تعظيم القيمة المضافة من حصتها المحلية، مما يؤجل العوائد المباشرة لاقتصادها وسكانها.
تباين في الرؤى الاستراتيجية مع الشريك الموريتاني
تسلط هذه الإعلانات الضوء على تباين استراتيجي كبير مع الجار والشريك في المشروع. فبينما يقوم البلدان باستغلال وتصدير المورد معاً، تستغل السنغال جزءاً من إنتاجها لتغذية السوق المحلية وتغطية احتياجاتها الوطنية بالكامل. الهدف المُعلَن هو السيادة الطاقية: التحرر من أي تبعية خارجية لتأمين الإمداد والتحكم في الأسعار.
في المقابل، لا تزال موريتانيا، رغم استفادتها من عوائد تصدير المشروع، معتمدة على الاستيراد لتغطية استهلاكها الداخلي من الكهرباء. وبالتالي، تتجاوز الاستراتيجية السنغالية مجرد تحقيق ريع مالي؛ فهي تهدف إلى استخدام الغاز كرافعة للتنمية الصناعية والاجتماعية الداخلية. وهذا النهج يختلف عن نموذج العديد من البلدان المنتجة التي تصدر كل مواردها دون تحويلها محلياً أو تأمين شبكتها الطاقوية الخاصة.
وبهذه الخطوة، تثبت السنغال عزمها على ألا تكون مجرد مُصدِّر للمواد الأولية، بل تعمل على تعظيم قيمة مواردها بشكل أساسي لتعزيز اقتصادها الداخلي ومكافحة غلاء المعيشة، مما يجعل من مشروع (GTA) ركيزة أساسية لسيادتها الوطنية.


