لحظة إعلان قيام الأمم المتحدة في منتصف الأربعينات من القرن العشرين كان هناك 750مليون إنسان تحت الاستعمار أي ثلث سكان العالم عام 1945 ؛ وكان من أهداف الأمم المتحدة المعلنة أن يتم العمل على تصفية الاستعمار في كل القارات.
وقد حصلت 80دولة على الاستقلال منذ تاسيس الأمم المتحدة
وبقيت أقاليم تحت وصايتاها بلغت 17 عشر إقليما استقلت منها 10 أقاليم وبقية سبعة فقط في طريقها إلى الاستقلال.
وقد أعلنت دول استقلالها وهي تحت الاحتلال الكلي أو الجزئي ثم نالت استقلالها كاملا أو هي في سبيل ذلك.
ومنها دول وحكومات أعلنت في المنافي .
عربيا وإفريقيا هناك دولتان تحت الاحتلال المباشر ؛ وإن اختلفتا في مشوارهما النضالي ضد الاحتلال هما الدولة الفلسطينية التي أعلنت من الجزائر عام 1988 رغم الاحتلال الكامل لأراضيها ووجود جدار صد غربي امريكي أوروبي رافض للاعتراف بها ؛ لكن الصمود الفلسطيني والدعم الجزائري والعربي والإفريقي والإسلامي ومن العالم الثالث دفع أغلب دول العالم للاعتراف بالدولة الفلسطينية إلى أن أرغم ذلك الأمم المتحدة على الاعتراف بها على مراحل حتى بلغت مرحلة دولة وعضو مراقب في الأمم المتحدة رغم أنف امريكا وحلفها الصهيوني.
والوضع الراهن في فلسطين المحتلة يعكس سقوط كل مشاريع تصفية القضية الفلسطينية وسقوط كل مشاريع الحلول المخادعة من كامب ديفد إلى أوسلو إلى مرحلة حرب الإبادة ومحاولات التصفية النهائية للقضية.
وهناك دولة عربية إفريقية مهمة تم الإعلان عنها في 27 فبراير عام 1976 في الصحراء الغربية بعد خروج الاستعمار الإسباني منها؛ فوقعت فريسة لمؤامرة إسبانية ورطت دولا عربية إفريقية في تقاسمها كاحتلال جديد بديل للاحتلال الإسباني ؛ والدولتان هما المغرب وموريتانيا وقد تبنت فرنسا تلك المؤامرة وقاتلت مباسرة ضد الصحراويين .
وتم إيداع اتفاقية مدريد التي يعترف المغرب فيها بالسيادة الموريتانية على إقليم الداخله لدى الأمم المتحدة
لكن متغيرات النزاع والمقاومة الصحراوية الشرسة والانقلاب الذي جرى في موريتانيا عام 1978 غير المعادلات حول القضية الصحراوية إقليميا وقاريا ودوليا.
فكما دعمت الجزائر نضال الشعب الفلسطيني وغيره من شعوب العالم المستعمرة ؛ دعمت بقوة الشعب الصحراوي وقضيته العادلة ؛ فصارت الجزائر وموريتانيا من أول الدول التي اعترفت بالجمهورية العربية الصحراوية.
وضمت لائحة الدول المعترفة بالدولة الصحراوية عشرات الدول عبر العالم ؛ خاصة الدول الكبرى القيادية في إفريقيا كالجزائر وجنوب إفريقيا ونجيريا وأثيوبيا وآنغلولا وغيرها ؛ ومن دول آمريكا اللاتينية وآسيا .
وقد فرضت حرب التحرير الصحراوية معادلتها على المغرب نفسه والعالم عندما أعلن المغرب رسميا اعترافه بجبهة البوليساريو ممثلا شرعيا وحيدا للصحراويين عام 1989 وطلب تدخلا آمريكيا من أجل الوساطة لترتيب وقف إطلاق النار مع الصحراويين والذي أبرم عام 1991 مقابل قبول مغربي علني على منصة الأمم المتحدة بتنظيم استفتاء لتقرير المصير في الصحراء الغربية متعدد الخيارات.
وبدأ المغرب يلعب لعبة الوقت لعله ينجح في شطب القضية الصحراوية وتصفيتها نهائيا.
فبعد حرب شرسة استمرت بين المغرب والبوليساريو من عام 1975 إلى العام 1992 لحظة الاتفاق النهائي على وقف إطلاق النار وملحقاته أي 16سنة حرب ضيع المغرب فرصة الحل السلمي عبر استفتاء حسب قرارات الأمم المتحدة التي أرسلت قوات أممية مكلفة بالإشراف على الاستفتاء .
تضييع للوقت استمر من عام 1992 إلى عام 2007 حين أعلن المغرب اقتراحا من خيار واحد هو خيار الحكم الذاتي للصحراويين مع البقاء تحت السيادة المغربية .
اقتراح يناقض ماتم الاتفاق عليه برعاية الأمم المتحدة ؛ فضاعت حقبة أخرى امتدت من 2007إلى العام 2020 حين خرق المغرب اتفاق وقف النار فعليا بنشر قواته في المناطق العازلة وأغلب المناطق المحررة فأعلنت البوليساريو النفير العام للحرب.
وخلال كل تلك المراحل التي ناور فيها المغرب سياسيا حقق الصحراويون كثيرا من النقاط لصالحهم أولها تدويل قضيتهم التي عانت كثيرا من محاولات تعتيم المغرب عليها فقد دخل إقليم الصحراء الغربية رسميا ضمن لائحة تصفية الاستعمار لدى الأمم الأمم المتحدة .
وأصبح تراجع المغرب عن استحقاق وقع عليه أمميا لايعني شيئا من الناحية القانونية ؛ فالقضية الصحراوية أصبحت رسميا قضية تصفية استعمار لايحق لأي دولة عضو في الأمم المتحدة اتخاذ قرار أحادي فيها.
ورغم المواقف الآمريكية الترامبية وموقف الرئيس الفرنسي ماكرون الداعم لعرض المغرب باستفتاء محصور في خيار واحد هو الحكم الذاتي إلا أن هذه المواقف لاشرعية لها لأنها تناقض قرارات الأمم المتحدة التي تعتبر الصحراء الغربية هي آخر إقليم محتل في القارة الإفريقية يجب أن يقرر مصيره بخيارات تضمن للشعب الصحراوي خيار الاستقلال التام عن المغرب .
كما أن البرلمان الفرنسي لم يمر عبره قرار ماكرون ولم يمر قرار ترامب عبر مجلسي الشيوخ والنواب في آمريكا.
وقد شهدت القضية الصحراوية زخما دوليا أكبر بربطها دون قصد بالقضية الفلسطينبة ؛ حين اشترط المغرب اعتراف واشنطن وتلا بيب بمغربية الصحراء مقابل اعتراف المغرب بصهيونية القدس والمسجد الأقصى!
ويبدو الوضع القاري والعالمي في صالح الصحراويين أكثر ؛ فبعثة الأمم المتحدة إلى الصحراء الغربية يتم التمديد لها سنويا ؛ وهناك وصاية غير مباشرة للأمم المتحدة على الإقليم ؛ وتبرز مواقف أوروبية سياسية وقانونية ترفض أي وصاية للمغرب على الصحراء الغربية برا وبحراوجوا أو على الثروات الصحراوية وتلزم المغرب بتمييز صادرات الصحراء الغربية بوسم يذكر مصدرها ؛ وهو اجراء أوروبي فرض على الكيان الصهيوني في صادرات الأراضي التي احتلها عام 1967 ولاتعترف أوروبا بسيادة الصهاينة عليها.
وتعتبر الجمهورية العربية الصحراوية عضوا مؤسسا للاتحاد الإفريقي جنبا إلى جنب مع الدولة المغربية التي انضمت متأخرة للاتحاد الإفريقي ووقعت على ميثاقه الذي ينص على أن الجمهورية العربية الصحراوية عضو مؤسس للاتحاد الإفريقي.
وقد تابع العالم في آخر دورة افريقية انتخابية كيف بدا حجم النفوذ المغربي في افريقيا.
وتحضر الجمهورية العربية الصحراوية قمما دولية وقارية بكامل تمثيلها كدولة تحت الاحتلال المغربي .
ميدانيا يمكن ملاحظة حجم الإنجاز الصحراوي مابين إعلان الدولة الصحراوية عام 1976 واليوم في الذكرى 49 لإعلانها عام 2025.
لقد بنى الصحراويون في اللجوء بالجزائر وفي تجربتهم المقاومة داخل أرضهم نظام دولة كامل ؛ قيادة سياسية وإدارة وجيش تحرير ؛ وتمكنوا من تجاوز كل المراحل الأصعب حتى أصبحوا حقيقة ميدانية لا يمكن تجاوزها إقليميا ولا قاريا أو دوليا.
ويخوض الصحراويون معارك التحرير بالبندقية والدبلوماسية وعبر المحافل السياسية والثقافية ؛ ويخترقون كل الجبهات التي كانت حليفة للمغرب ؛ فالرأي العام الأوروبي النخبوي والحقوقي يناصرهم ويسجلون تقدما على المغرب في ذلك.
عربيا بدأت دول الخليج تدرك أن ملف الصحراء الغربية لا يمكن شطبه ولا تجاوزه ؛ وسيأتي اليوم الذي تعترف فيه دول الخليج أن هناك نزاعا يستحق الاستماع لطرفه الصحراوي
ويشهد العالم في الوقت الراهن بداية تحول جوهري تجعل أنصار القضية الصحراوية هم الأهم فيه ؛ خاصة الجزائر وجنوب إفريقيا ونجيريا ؛ مما سيفرض تحولا مؤثرا لصالح الصحراويين ودولتهم المستقلة ؛ فترامب عينه على المصالح مع الجزائر والاتحاد الأوروبي كذلك وروسيا والصين .
والصحراء الغربية كنز للثروات الاستراتيجية ذات الأهمية العالمية ؛ وقد منح المغرب نصف قرن فشل فيها في حسم النزاع لصالحه ؛ ولاشك أن الفقر المنجمي والطاقوي في أوروبا وامريكا والمنافسة المحتدمة من جديد على مكامن المعادن النفيسة والمواد النادرة ومخزونات البترول والغاز قد يسهم بالتعجيل في استقلال الصحراء الغربية بضغط من نفس الدول التي كانت في منطقة ضبابية من النزاع وتعمل على إطالة أمده لاغير .
ويعيش المغرب حاليا دورة انكماش اقتصادي وانكماش في النفوذ السياسي والتجاري مع موجة انحسار النفوذ الفرنسي في دول جنوب الصحراء وإفريقيا الغربية والوسطى
حيث يتمدد النفوذ الروسي الحليف للجزائر وللصحراويين.
فقد انضمت السنغال وساحل العاج للحملة الإفريقية لاجتثاث الوجود الفرنسي ؛ ورغم محاولات المغرب التسلل لحدائق الجزائر الخلفية في النيجر ومالي إلا أن ذلك التسلل تم شطبه بتوقيع النيجر ونجيريا رسميا على أنبوب الغاز الذي روجت الرباط له كثيرا على أنه سيكون عبرها !
وهاهو قائد الانقلاب في مالي يعين مدير ديوانه ممثلا له في الجزائر ؛ وخلف ذلك ما يستحق القراءة .
وتعوم الجزائر تونس اقتصاديا وتوفر لها مظلة أمان سياسي ؛ وتحسب كل الدول اللاعبة في ليبيا للجزائر حسابها كأكبر قوة إقليمية وقارية .
وتمضي موريتانيا بقوة وثبات في شراكتها الاقتصادية مع الجزائر وتتدفق الاسثمارات الجزائرية إلى موريتانيا بتسارع ملحوظ ؛ فهناك استثمارات بنيوية ضخمة تحت التنفيذ وأخرى متوقعة قد تكون مفاجئة للجميع.
فالمستثمرون الأوروبيون والخليجيون والآمريكيون يقفون في طابور على البوابات الموريتانية أملا في مشاركة موريتانيا في مخزوناتها الهائلة ولاستغلال موقعها الاستراتيجي الذي هو ممر مغر إلى إفريقيا ويطل على جنوب أوروبا وبريطانيا وينفتح عبر المحيط على امريكا الشمالية والجنوبية وعلى أقصى آسيا عبر المحيط الأطلسي والهندي.
موريتانيا التي تنمح الجزائر لاشك أولوية في كل فرص الاستثمار والربط السككي والطرقي والبحري والطاقة والتعدين
وتبدو المشاريع الجزائرية مغرية وجادة فبين التوقيع على المذكرات والاتفاقيات فاصل زمني قصير تتدفق بعده التمويلات والمعدات إلى ميدان العمل .
ببنما تركز دولة معينة على الإعلان عن مشاريع وهمية بصور افوتو شوب تعتبر بعد نشرها أن مشاريعها تمت فعلا.
الحاضر والمستقبل هو لصناعة المصالح المشتركة بقوة ومصداقية لا ببث الأخبار المضللة والدعاية الفارغة .
الذكرى 49 لإعلان الدولة الصحراوية تحل والصحراويون أكثر عددا وعدة وتصميما على تحقيق استقلالهم
وقد نجحت الدولة الصحراوية وهي تحت الاحتلال أن ترفع نسبة التعليم في الشعب الصحراوي وأن تستقطب أجيالا من الشباب الصحراوي في سوح النضال والمقاومة وهناك نضال سلمي صحراوي برعاية أممية وأوروبية في الداخل الصحراوي له دور عظيم في نضال الصحراويين من أجل تقرير المصير .
وأخطر ما يخشى في دورة الحرب الجديدة بين المغرب وجبهة البوليساريو أن يتطور الاستنزاف فيها إلى قصف جيش التحرير الصحراوي لعقد الاقتصاد المغربي بسلاح المسيرات والصواريخ التكتيكية الذكية فيتم شطب مداخيل السياحة والاستثمار في المغرب وذلك مالا تنحمله الرباط.
ففي حروب الشعوب غير النمطية لم يعد شيء يستبعد ؛ فقد تابع العالم كيف كانت الوثبة القسامية على أكبر قوة في الشرق الأوسط ” اسرائيل” رغم فارق القوة وكيف تهاوت الدعاية الصهيونية وأكذوبة الردع الحاسم.
وتابع العالم كيف واجه أنصار الله في اليمن تحالفا من عشرين دولة هي من أقوى دول العالم بقيادة آمريكا وتم إغلاق كل الممرات الدولية بشمال المحيط الهندي والبحر الأحمر رغم كل ذلك التفوق الضخم في القوة للحلف الآمريكي الصهيوني.
الصحراويون بطبعهم مقاتلون أشداء امتلكوا هم أيضا ناصية المسيرات والصواريخ وهم أشد إيمانا بعدالة قضيتهم وبأسهم شديد.
لذلك ترتفع الأصوات بالدعوة لحل سلمي ؛ برعاية الأمم المتحدة حتى لا تفتح أبواب الجحيم في دورة أخطر قد تقود المنطقة لخراب أوسع لن يستثني أركان الدولة المغربية ذاتها.
السلام أولى وأفضل للجميع
الكاتب والباحث الاستراتيجي الموريتاني عبد الله ولد بونا
23 فبراير 2025


