نواكشوط — في ختام زيارة رسمية أجراها وفد أوروبي رفيع المستوى إلى موريتانيا هذا الأسبوع، حمّل المسؤولون رسالة واضحة مفادها أن الشراكة بين نواكشوط وبروكسل تدخل مرحلة جديدة أكثر طموحًا، تركز بشكل أساسي على الاستثمار والتحول الطاقوي وخلق فرص العمل.
وأكدت الوفد الذي تقوده باتريسيا لومبارت كوساك، المديرة العامة لإفريقيا في دائرة العمل الخارجي الأوروبي، خلال لقاء صحفي يوم الجمعة في مقر إقامة سفير الاتحاد الأوروبي خواكين تاسو فيلالونغا، على وجود تقدم “ملموس” في قطاعات حيوية عدة (الطاقة، الصحة، الرقمنة، والصيد). وأعلنت الوفود عن تحول جوهري في منطق العلاقة، بالانتقال من تقديم المساعدات التقليدية إلى اعتماد استراتيجية تقوم على استثمارات مهيكلة.
شراكة تتجاوز منطق الإعانة
في ظل السياق الدولي المتوتر، حرص المسؤولون الأوروبيون على توضيح مواقفهم من الملفات الحساسة، لا سيما ملف الهجرة والاستغلال المستدام للموارد السمكية، مجددين التأكيد على رغبة الاتحاد الأوروبي في تعزيز شراكته مع موريتانيا التي باتت تُعتبر شراكة استراتيجية. وأفاد مراسلون بأن الزيارة خلصت إلى أن العلاقة بين البلدين تنتقل إلى مستوى جديد من التكامل.
نتائج “ملموسة” على الأرض
وفقًا للمسؤولة الأوروبية لومبارت كوساك، فإن الدفع السياسي الذي بدأ في عام 2024 بدأ يؤتي ثماره. وبعد عامين من إطلاق هذه الطموحات المتزايدة، ترى بروكسل أن التقدم المحرز على الأرض هو تقدم “ملموس وقابل للتحقق”.
شريك تجاري لا غنى عنه
اقتصاديًا، لا يزال وزن الاتحاد الأوروبي حاسمًا، حيث يستحوذ على حوالي 35% من التبادلات التجارية الخارجية لموريتانيا، مما يعزز مكانته كأول شريك تجاري للبلاد. ولا تزال الصادرات الموريتانية تستفيد من دخول معفى من الرسوم الجمركية إلى السوق الأوروبية، في بيئة تصفها بروكسل بـ”القابلة للتنبؤ”.
توجّه نحو الاستثمارات الخاصة
لكن الرسالة الأوروبية تذهب إلى أبعد من ذلك؛ فالمساعدة العامة وحدها لم تعد كافية لتحويل الاقتصاد. ويهدف الاتحاد الأوروبي الآن إلى تحفيز تدفق رؤوس الأموال الخاصة وتشجيع الشركات الأوروبية على الاستثمار في القطاعات الواعدة. ومن المقرر أن تعمل مبادرة “البوابة العالمية” كآلية لتمويل مشاريع هيكلية ودعم خلق فرص العمل في بلد يعاني من بطالة مرتفعة بين فئة الشباب.
الصحة والرقمنة والكهرباء: ورش كبرى
منذ عام 2017، تم تخصيص حوالي 80 مليون يورو لدعم إصلاح النظام الصحي الموريتاني والمساهمة في تحقيق هدف التغطية الصحية الشاملة بحلول عام 2030. وقد أتاحت زيارة وفد الاتحاد إلى الصندوق الوطني للتأمين الصحي الوقوف على تقدم وصف بـ”المشجع”.
في المجال الرقمي، يدعم الاتحاد الأوروبي، بمساعدة بنك الاستثمار الأوروبي، تحديث البنى التحتية. ويُعتبر مركز البيانات الذي تفقده البعثة أداة رئيسية لتحقيق السيادة الرقمية للبلاد.
أما قطاع الطاقة فلا يزال في صلب التعاون، من خلال كهربة المناطق الريفية ودعم الشركة الموريتانية للكهرباء (صوملك) وتطوير البنى التحتية الكهربائية والسكك الحديدية. فبالنسبة لبروكسل، يُشكل الوصول إلى الكهرباء محركًا أساسيًا للنمو.
الطاقة الخضراء: موريتانيا في موقع الريادة
بحسب ستيفانو سينيوري، مدير إفريقيا في المفوضية الأوروبية، تُعد موريتانيا من بين الدول الإفريقية الأفضل موقعًا في مجال الهيدروجين الأخضر. ويُعزز قربها الجغرافي من أوروبا جاذبيتها في سياق التحول الطاقوي. وتأتي البلاد، إلى جانب ناميبيا، في قائمة الوجهات ذات الأولوية للمستثمرين الأوروبيين. وقد بدأت السلطات الموريتانية بالفعل خطواتها لتنظيم هذا القطاع، رغم تأكيد بروكسل على أن المشروع يتطلب وقتًا طويلاً.
الصيد: الأولوية للحفاظ على الموارد
تناولت المحادثات أيضًا تجديد بروتوكول الصيد. وشدد الوفد الأوروبي على أن استدامة الأرصدة السمكية تبقى “خطًا أحمر” غير قابل للتفاوض. وأوضح المسؤولون أن الأساطيل الأوروبية لا تمثل سوى جزء ضئيل من الصيد (حوالي 7%)، وتعمل فقط على موارد تعتبر متاحة، مع استبعاد الأنواع الحساسة، مع متابعة منتظمة لحالة الأرصدة من قبل لجنة علمية مشتركة.
وأكد السفير الأوروبي خواكين تاسو فيلالونغا أن الاتفاق يتجاوز مجرد مسألة الوصول إلى المياه، فهو يقوم على البحث العلمي وآليات مراقبة صارمة والتزامات بالاستدامة، دون منافسة مباشرة مع الصيد التقليدي المحلي.
الهجرة واللجوء: توضيح أوروبي
في ملف الهجرة، أرادت بروكسل إزالة أي لبس، مؤكدة أنها لا تخطط لنقل مهاجرين غير نظاميين من جنسيات أخرى إلى موريتانيا. ويتعلق التعاون في مجال إعادة القبول فقط بالموريتانيين، وفقًا للقواعد الدولية. بشأن اللجوء، ذكّر المسؤولون الأوروبيون بأن كل ملف لا يزال يُدرس بشكل فردي، على الرغم من الإصلاحات الرامية إلى تسريع بعض الإجراءات، بهدف جعل الأنظمة أكثر مرونة مع الحفاظ على الحقوق الأساسية.
وفي ختام هذه المهمة، يخلص الاتحاد الأوروبي إلى أن شراكته مع نواكشوط تدخل مرحلة تكثيف غير مسبوقة، مدفوعة بسياق جيوسياسي متوتر يزيد من البعد الاستراتيجي للتعاون.


