فقدت موريتانيا الأسبوع الماضي واحدة من أبرز شخصياتها السياسية الوطنية. الدكتور لوليد ولد وداد، رجل الدولة البارز، وافته المنية، تاركًا وراءه إرثًا دائمًا في التاريخ السياسي للبلاد. أصله من مدينة وادان التاريخية، حيث جمع بين التواضع والإخلاص والرؤية، وخدم بلاده بولاء وكفاءة يُحتذى بهما.
مسيرة اتسمت بالوفاء والبراعة السياسية
كان الدكتور لوليد ولد وداد معروفًا بمعرفته العميقة بالديناميكيات السياسية وأنظمة الحكم التي شكلت الأنظمة المختلفة لموريتانيا الحديثة. رجل متمسك بمبادئه، تكيف مع التغيرات السياسية دون أن يحيد عن التزاماته. وكممثل برلماني عن مسقط رأسه وادان، مثّل تطلعات مجتمعه بكرامة وتواضع.
منذ الانقلاب العسكري الذي أطاح بنظام معاوية ولد سيدي أحمد الطايع عام 2005، تميز الدكتور لوليد ولد وداد بنزاهته ورفضه العمل تحت أنظمة لا تتماشى مع قناعاته. بخلاف العديد من السياسيين الذين ينتهزون الفرص ويبدلون ولاءاتهم مع كل نظام جديد، اختار الحفاظ على مبادئه، مما صان شرفه وأصالته.
وعلى الرغم من تعاقب ثلاثة أنظمة مختلفة، بقيت قناعاته ورؤيته ونزاهته كرجل دولة ثابتة لا تتزعزع.
في عام 2008، بعد انقلاب محمد ولد عبد العزيز، أسس حزبًا سياسيًا اندمج لاحقًا عام 2010 مع حزب الوئام الديمقراطي والاجتماعي إلى جانب زملائه السياسيين، مثل بويدجيل ولد هميد، المرابط ولد بناهي، والراحل محمد يحظيه ولد المختار الحسن. لكن بعد ذلك بفترة قصيرة، قرر اعتزال الحياة السياسية مبكرًا وبشكل استراتيجي، وهو اعتزال دام أكثر من عشر سنوات.
خلال الانتخابات التشاورية لعام 2023، عاد الدكتور لوليد ولد وداد ليبرز من جديد، حيث لعب دورًا محوريًا في إنشاء تحالف سياسي كبير في وادان. ورغم أنه قاد هذا التحالف، اختار ألا يتصدر القائمة، مفضلاً أن يترك الصدارة لجيل جديد مكون في الغالب من الشباب، لبناء مستقبل المنطقة. وقد أثبت هذا الرهان نجاحه، إذ حقق التحالف فوزًا ساحقًا في المنطقة، مسددًا هزيمة قاسية لحزب الإنصاف الحاكم. وأكد هذا الإنجاز مجددًا نفوذه السياسي والدعم الجماهيري الكبير الذي كان يتمتع به حتى بعد 14 عامًا من ابتعاده عن الساحة السياسية.
رجل دولة متواضع لكنه مؤثر
في ظل نظام معاوية ولد سيدي أحمد الطايع، شغل الدكتور لوليد ولد وداد عدة مناصب استراتيجية، بما في ذلك منصب وزير ومدير ديوان. كما كان أمينًا عامًا لحزب الحكم، الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي (PRDS)، حيث تعمقت رؤيته السياسية وكسب ثقة صانعي القرار.
عززت هذه التجارب قدرته على فهم تعقيدات المشهد السياسي الموريتاني وإدارتها. وكان مستشارًا موثوقًا، لعب دورًا حيويًا في صياغة السياسات العامة وتوجيه استراتيجيات الأنظمة التي عمل تحتها.
وقبل ذلك بكثير، شغل مناصب وزارية في عهد الرئيس محمد خونا ولد هيدالة، مما يدل على ثباته ومرونته السياسية عبر مختلف العهود.
باني أجيال ومرشد محترم
لم يكن الدكتور لوليد ولد وداد مجرد سياسي؛ بل كان مُكوِّنًا لجيل من رجال الدولة. بنى علاقات قائمة على الثقة والاحترام المتبادل، ونسج شبكة قوية من المسؤولين السياسيين، سواء على المستوى الوطني أو الدولي، والذين شاركوه قيمه.
خسارة كبيرة لموريتانيا
رحيل الدكتور لوليد ولد وداد ترك فراغًا عميقًا. رجل دولة متواضع ومخلص، كرس حياته لتقدم بلاده ووحدتها. كونه من مدينة وادان الأسطورية، رفع قيم منطقته بينما ترك بصمة دائمة في التاريخ السياسي الوطني.
أثناء آخر لقاء لي معه قبل بضعة أشهر في منزله، كنت أطمح لإقناعه بكتابة مذكراته. كانت هذه الفكرة، رغم حساسيتها، تبدو لي ضرورية، خاصة بالنظر إلى عدد السياسيين الموريتانيين الذين كتبوا مذكراتهم دون تقديم قيمة حقيقية أو كشف عناصر ذات أهمية عامة. كنت أعلم أنه، لو وافق، لكانت مذكرات الدكتور لوليد ولد وداد ذات عيار مختلف تمامًا، تتميز بعمقها وأصالتها.
بفضل تجربته الفريدة ووصوله المميز إلى خبايا السلطة، كان بإمكانه إماطة اللثام عن ألغاز طويلة الأمد، سواء ما يتعلق بشؤون الدولة أو الشخصيات السياسية البارزة أو الأزمات الكبرى التي مرت بها موريتانيا مثل إدارة أزمة السنغال وحرب الصحراء الغربية.لكن القدر لم يمنحني الفرصة لتحقيق هذا الهدف، رغم الثقة المتبادلة والعلاقات العائلية والأخوية التي جمعت بين أسرتينا.
سيبقى الدكتور لوليد ولد وداد في الذاكرة كرجل دولة مثالي، نموذجًا للإخلاص والتواضع، ومصدر إلهام للأجيال القادمة. رحم الله روحه، وليستمر إرثه في إضاءة طريق أولئك الذين يطمحون لخدمة موريتانيا بنفس القدر من النزاهة والحكمة.
— مولاي نجيم مولاي زين ولد ابويه


