دخل قطاع الغاز البحري في موريتانيا مرحلة جديدة، عنوانها الأساسي إعادة فرز المستثمرين وفق معايير أكثر صرامة تتعلق بالحجم والربحية والانضباط المالي. فبعد سنوات من الرهانات الكبرى على مشاريع عملاقة، بدأت الدولة تواجه واقعًا مختلفًا: ليس كل اكتشاف غازي مؤهلًا لجذب شركات الطاقة العملاقة، وليس كل انسحاب بالضرورة مؤشرًا على ضعف الموارد.
ويُجسّد حقل «بير الله»، المكتشف سنة 2019 في المياه العميقة قبالة السواحل الموريتانية، هذا التحول بوضوح. فعلى الرغم من موقعه الجغرافي القريب من مشروع «السلحفاة الكبرى – آحميم» العابر للحدود مع السنغال، والذي تطوره شركتا BP وكوسموس إنرجي، لم يتمكن الحقل من استقطاب التزام استثماري نهائي من طرف الشركات الكبرى. وبعد مراجعة تقنية شاملة، قررت «توتال إنرجيز» عدم الدخول في تطوير المشروع، معتبرة أن حجمه لا ينسجم مع متطلبات الربحية التي تفرضها استراتيجيتها العالمية.
أدى هذا القرار إلى إعادة تموضع الدولة الموريتانية في المعادلة. ففي عام 2024، استعادت نواكشوط الحقوق التي كانت بحوزة BP، لتصبح أمام تحدٍ مزدوج: الحفاظ على قيمة أصل استراتيجي، وفي الوقت نفسه البحث عن مشغّل يتوافق نموذجه الاقتصادي مع خصائص الحقل. ومنذ ذلك الحين، تعمل وزارة الطاقة والنفط على استكشاف خيارات جديدة، في سوق باتت أكثر انتقائية وحذرًا.
في هذا السياق، تبرز شركات متوسطة الحجم كمرشحين محتملين. وتدرس شركة «إنرجيان»، المدرجة في بورصتي لندن وتل أبيب، فرص الاستثمار في حقل بير الله منذ عدة أشهر. ويعتمد نموذج الشركة على تطوير حقول لا تستوفي بالضرورة معايير الشركات العملاقة، من خلال بنى تحتية مبسطة وضبط صارم للتكاليف. ويُعد حقل «كاريش» في شرق البحر المتوسط مثالًا على هذا النهج، حيث تم توجيه الإنتاج أساسًا لتلبية الطلب المحلي.
وبالنسبة لموريتانيا، يقوم هذا التصور على إعطاء الأولوية لتزويد محطات إنتاج الكهرباء بالغاز، ما يسمح بخلق طلب داخلي مستقر يخفف من المخاطر المرتبطة بالتصدير. أما الكميات الفائضة، فقد تجد طريقها إلى أسواق إقليمية، وعلى رأسها المغرب، خصوصًا في حال تحقق مشروع الربط بخط أنابيب الغاز الإفريقي–الأطلسي الممتد من نيجيريا إلى شمال غرب القارة، وهو مشروع لا يزال في طور التخطيط لكنه يظل عنصرًا مؤثرًا في الحسابات الاستراتيجية.
ويمتد منطق «فرز المستثمرين» هذا إلى ما وراء الحدود الموريتانية. ففي السنغال، يواجه حقل «ياكار–تيرانغا» حالة من الجمود بسبب غياب تقدم ملموس في أعمال التطوير، ما يضعف موقع مشغّله الحالي ويفتح الباب أمام إعادة توزيع محتملة للتراخيص. ويُنظر إلى إمكانية الربط بين الحقلين كخيار صناعي قد يعزز الجدوى الاقتصادية ويخدم التكامل الطاقي في المنطقة.
وتندرج هذه التحركات ضمن استراتيجية إفريقية أوسع لشركة «إنرجيان»، التي أجرت اتصالات في غينيا الاستوائية حول حقل «فورتونا»، وحاولت دخول السوق الأنغولية، كما تتابع فرصًا أخرى، من بينها غانا. ويعكس هذا التوجه قناعة متزايدة بأن مستقبل الغاز في إفريقيا لن يكون حكرًا على المشاريع العملاقة، بل سيفتح المجال أمام نماذج أكثر مرونة.
في المحصلة، لم تعد موريتانيا في سباق لجذب أي مستثمر، بل في مرحلة انتقاء الشريك القادر على تحويل موارد غازية مؤكدة إلى مشروع قابل للحياة الاقتصادية. وبين انسحاب الشركات الكبرى وصعود فاعلين أكثر تخصصًا، تتشكل معالم مرحلة جديدة يكون فيها الغاز البحري أداة للسياسة الطاقية بقدر ما هو رهان استثماري.


