كتبت: عزة بنت مولاي الحسن
تخلد المجموعة الدولية بعد أيام، ذكرى اليوم العالمي للصحافة الذي يتم الاحتفال به في الثالث من مايو كل عام. وتمثل هذه المناسبة فرصة لتقييم واقع الصحافة في موريتانيا، الذي يبدو أنه واقع متردي، على كافة مستويات المهنة، ينحدر بها، من وصفها بمهنة "صاحبة الجلالة"، إلى تسميتها بـمهنة "من لا مهنة لهم"،
ممن سئموا وجود فرصة أخرى للكسب في ميادين الحياة المختلفة، فراحوا يطرقون باب الصحافة، ويدخلون دون استئذان، ودون أن تسمح لهم مؤهلات المهنية، والعملية والدراسية بل وحتى والأخلاقية، بولوج مهنة كانت تحظى في المجتمع بالاحترام والتقدير، لأنها مهنة النخب ممن تسمح لهم مؤهلاتهم بتحقيق غايات وأهداف هذه المهنة، كمرآة عاكسة لواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والبيئي، لأي مجتمع كان.
ولأن واقع الصحافة في بلادنا يختلف في كثير من تجلياته وسائل عن هذه الصورة النمطية التي يجب أن تكون عليها فقد انعكس هذا الوضع الحالي للصحافة المكتوبة في بلادنا، على دورها، ومسؤولياتها اتجاه المجتمع، فراحت تجني علي المجتمع بدلا من خدمته، وتأخذ منه دون أن تعطيه.
ولا يمكن بطبيعة الحال الحديث بشكل موضوعي الواقع الحالي للصحافة، وتقييمه مع إغفال العوامل التي قادت إلى هذا التردي، الذي توجد عليه هذه المهنة، وذلك طبعا من وجهة نظر صحفية، تحاول الغوص في الأسباب، وتبتعد عن التجني والشخصنة.
وصاية.. أو "وصاية"..؟
الباحث عن العوامل المسببة لسوء أوضاع الصحافة الموريتانية، سيفاجئه أن مجمل متاعب هذا القطاع تعود للجهات الوصية، وبالتحديد وزارة الاتصال والعلاقات مع البرلمان، التي يفترض أن تكون وصايتها على القطاع إيجابية بحيث ترقى به ليأخذ مكانته ويقوم بمسؤولياته السالفة الذكر، لا وصاية على الصيغة "الاستعمارية" التي تعني إخضاعه وتبعية للسلطة التنفيذية.
ولا يبدو أن هناك مؤشرات على أن وزارة الاتصال قادرة على تحمل مسولياتها اتجاه قطاع الصحافة الذي يمكنه من القيام بدوره وذلك إذا ما علمنا أن هذه الوزارة نفسها لم تهيأ للقيام بهذا الدور، ومن الأمثلة على ذلك، أن ميزانيتها تقل عن ميزانية بعض المؤسسات الخصوصية العادية، بل وتقل عن ميزانية أصغر المؤسسات العمومية التابعة لها، وهو ما ينم عن ازدراء – متعمد أو صدفة- من طرف الدولة ككل لهذه الوزارة الوصية، ومن وراءها مهنة الصحافة.
وقد يرجع البعض ذلك، في نظر البعض، إلى رغبة بعض الأطراف في أن تبقى الصحافة ضعيفة ومشتتة حتى لا ترقى إلى المهنية التي تمكنها من تقويم اعوجاج السلطة وكشف خفايا الواقع، ليتحقق هدف تغييب المجتمع عن واقعه وعن أسلوب إدارة شؤونه.
لكن " نطرية المؤامرة" هذه تقفز على حقيقة أن وجود صحافة مهنية ولديها من الوسائل ما تحقق به دورها، هو بحد ذاته من مظاهر تقدم ورقي الدولة في العصر الحديث، حيث أصبح للإعلام اليوم دور لا يقل عن دور الجيوش والقوة العسكرة في مضمار الهيمنة والسيطرة على العالم، التي يمثل أحد تجليات عصر العولمة.
مديرية الصحافة.. سياسة "فرق تسد"
الواقع المالي لوزارة الاتصال والعلاقات مع البرلمان، ليس وحده المثال على التهميش والازدراء التي تقابل به الصحافة الوطنية، بل أن هناك بعض المسلكيات التي تنتهجها ما تعرف بـ"مديرية الصحافة المكتوبة" اتجاه الصحافة، تعكس هي الأخرى واقع التهميش والازدراء المتعمد الذي يواجه الصحافة.
وهو ما قد يفهم منه أن هناك نية مبيتة لجعل الصحافة وسيلة للارتزاق والتملق، وليس مهنة محترمة هدفها خدمة المجتمع..
ويحّمل بعض الصحفيين مسؤولية القيام بتلك المسلكيات إلى الشخص المسؤول عن تسيير هذه المديرية، ويطرحون بعض الأمثلة المعاشة من واقع تجربتهم اليومية مع هذه المديرية، التي تعكس في نظرهم محاولة إخضاع الصحافة وجعلها أداة بيد الجهات الحكومية لتوجهها حيث تريد..
ويتحدث بعض الصحفيين عن قيام مديرية الصحافة المكتوبة بأعمال هدفها خلق المشاكل بين الصحفيين وتكتلاتهم النقابية من جهة، وحتى خلق المشاكل بين الصحفيين أنفسهم طبقا "لسياسة فرق تسد"..
ومن أمثلة هذه المسلكيات أن مديرية الصحافة المكتوبة – ومن خلال عملية اختيار الصحفيين المكلفين بالسفر مع الرئيس مثلا - تعتمد أسلوب إملاء أسماء الأشخاص الذين تريدهم لهذا السفر، على تجمعاتهم النقابية التابعين لها.
فمثلا من أجل تقديم اسم صحفي لتغطية أنشطة داخل أو خارج الوطن، يقول لها التجمع مثلا نحن نقترح الصحفي فلان لهذا النشاط ، غير أن المديرية- وفي حالة ما إذا كان هذا الشخص ليس هو الذي تريده - تقول لا نحن لا نريد هذا الشخص، فأعطونا آخر.. وهكذا حتى تأخذ الشخص الذي تريد انتدابه.
وعندما ما يحتج الصحفيين الممنوعين بقرار هذه المديرية من التغطية على تجمعاتهم تقول لهم هذه الأخيرة أن السبب في مديرية الصحافة المكتوبة التي رفضت اختيارهم، وعندما يذهب هؤلاء الصحفيين إلى هذه المديرية، تقول لهم أن السبب هو التجمع الذي يتولى مهمة الاختيار.. وهكذا تكون نتيجة ذلك أخيرا، سوء العلاقة بين الصحفي وتجمعه النقابي، فما يكون من المديرية عندما تشعر بذلك، إلا أن تطلب من هذا الصحفي أن يستقيل من تجمعه، ومن المفارقات أنها تطلب منه أن يقدم لها هي – المديرية- وليس نقابته استقالته، وعندها قد تطلب منه التوجه إلى نقابة أخرى، أو تكوين نقابة جديدة مع زملاء تختارهم هذه الإدارة له، وذلك كشرط للاستفادة من "الخدمات" التي تقدمها للصحفيين.
أزدواجية المعايير..
ومن الأمثلة على هذا التهميش و الحرمان من ابسط الحقوق من مديرية الصحافة المكتوبة لبعض التكتلات الصحفية وازدواجية معاييرها، ما يعانيه أول اتحاد للصحفيات المستقلات الذي تم الاعتراف به سنة 2006، حيث لا تزال ترفض أي نوع من أنواع التعاون مع هذا الاتحاد على – على غرار بقية التجمعات الصحفية الأخرى- بسبب موقف شخصي، من بعض مسؤولي هذا الاتحاد.
وهذا ما يناقض التشبث بالشفافية في أسلوب تسيير المصالح الإدارية وخلق الظروف الملائمة لتمكين منتسبي القطاع من أداء واجبهم المهني والأخلاقي.
أيادي تحرك النقابات..
خلق مشاكل للقطاع وجعله تابعا للسلطة التنفيذية هدف تلقى مسؤوليته كذلك على بعض الجهات النافذة في الدولة التي لا تقف عند حد إفساد المهنة الصحفية، وإغراقها المتعمد بالصحف والصحفيين غير المهنيين، ولا تقف كذلك عند حد تفقير المهنة الصحفية وحبس عنها الوسائل المادية التي تمكنها من أداء واجبها، وتمكنها من أن تكون مهنة حقيقية تكون مثالا أعلى للأجيال اللاحقة حتى ترغب في دخول مهنة الصحافة.
بل تتجاوز تدخلات الإدارة في الشأن الصحفي ذلك لتلج ميدان التجمعات..
والمثال هنا هو نقابة الصحفيين الموريتانيين، فرغم أن هذه النقابة تدار من طرف مكتب تنفذي محترم يقوده زملاء صحفيون يمتلكون المؤهلات العملية والمهنية لذلك. مثل الزميل الحسين ولد أمدو والزميل محمد محمود أبو المعالي.
إلا أنها أقرب هي إلى نقابة تابعة للإدارة والسبب بسيط وهو أن ظروف الإعلان عنها وطريقة انتخاب هيئاتها توحي بذلك.
فهذه النقابة أولا أغرقت بالصحفيين العاملين في المؤسسات الصحفية التابعة للدولة، وهو ما يجعلهم رهينة في يد من يدفع لهم "الراتب" بحيث لا يستطيعون مثلا التصدي للمطالب الصحفية التي تشكل الدولة طرفا فيها تحت ضغط المسؤول الذي يتبعون له.
وهو ما انعكس على أول عمل تقوم به هذه النقابة حيث لم يتسنى إيجاد منافسة حقيقية على إدارة النقابة لأن الهيئة الناخبة وجدت نفسها أمام لائحة وحيدة ومدعومة من طرف الإدارة وبالتالي لم يكن بمقدر وهم مخالفة "الأوامر".
كما أن قيام السلطة التنفيذية بدعم هذه النقابة ماديا، من خلال تقديم التمويلات لها دون تمويل المؤسسات الصحفية ذاتها (الجرائد)، يعتبر مؤشرا آخر على تهميش الصحافة، حيث كان الأجدر أن يوجه هذا التمويل إلى المؤسسات الصحفية (الناشرين) الذين يواجه الهموم اليومية للصحافة من تكاليف للنشر، ومستحقات السلطات العمومية كالضرائب، والمساهمة في تنمية المهنة الصحفية من خلال توظيف الصحفيين الشباب العاطلين عن العمل.. إلى غير ذلك، من التحديات التي تعتبر عبئا حقيقيا يواجه الصحافة في حياتها اليومية.
أما تمويل النقابة فرغم أن مطلوب لها ولغيرها من النقابات إلى أن مهامها ومطالبها اليومية لا تحتاجه كثيرا كحاجة المؤسسات الصحفية لها، فهي لا تتحمل تقديم مرتبات شهرية للعاملين، ولا تدفع الضرائب للدولة، ولا تتحمل تكاليف الطبع والنشر.
نقد ذاتي..
رغم أن معاناة المهنة الصحفية في جزء كبيرا منها نتيجة لتعامل السلطة التنفيذية معها كالوزارة والأدارة المكلفة بشؤون الصحافة، إلا أن هناك عوامل تقف وراء الواقع المزري للصحافة يتحمل الصحفيين أنفسهم المسؤولية عنها.
ويتعلق الأمر هناك لزحف ما تعرف بالأخلاقيات غير المهنية على الصحافة، مثل عدم الدقة في النقل وعدم الموضوعية، وعدم الحياد وتحري المصداقية، بالإضافة إلى تعمد الإثارة التي تنتقص عادة من مصداقية الخبر.
كما أن الخلطة عادة بين ما هو شخصي وما هو عام في أسلوب التعاطي مع الخبر، يعتبر مظهرا من مظاهر عدم المهنية وعدم الأخلاقية التي يجب أن يتحلى بها الصحفي المهني.