إعلان

موريتانيا... الدولة والجبروت القبلي.

PDFطباعةإرسال إلى صديق

altغاب مفهوم الوطنية ليحل محله مفهوم القبلية الذي يجسد تلك النظرة والوجهة القديمة ,حيث

الولاء بكل ألوانه ,هذا المفهوم الذي كان سائدا قبل وجود الدولة وإنبثقت عنه أنظمة قبلية نجحت بالفعل في ترشيد وتسيير شؤونها ,إنطلاقا من الحيز الجغرافي لهاالذي تسيطر وتفرض سطوتها عليه بحكم أنها هي القوة الجبارة القاهرة والرادعة داخل ذلك المجال.

تحكمها عادات وتقاليد وفق أعراف معينة هي الأقرب إلى القانون المتفق عليه بالإجماع لتلك القبيلة التي تدافع عن حدودها الجغرافية بقوة وتحرص على تطبيق العدل بين مختلف أفرادها,كما أنها تضمن توزيع الغنائم بطرق عادلة وشفافة تسودها وتطبعها المساواة بين كافة شرائحها العرقية مع بعض الإمتيازات المعنوية للبعض.

كانت هذه هي السمة المطلقة لهذا البلد عبر فترات زمنية متتالية تجسدت فيها القبيلة وتوطنت ,تطورت مفاهيمها وتوطدت نتيجة للحاجة الملحة إلى تكاتف الجهد وتحقيق الحاجيات المادية والمعنوية التي عجز عن تلبيتها الفرد أوالأسرة أنذاك في وقت يغيب فيه كيان الدولة لتمنح بذلك الفرصة للقبيلة بإعتبارأنها تتمثل على شروط مشابهة لتلك التي تشترط في الدولة حيث ,(مجتمع ذو إنتماء معين , وحيز ,وسلطة) وهذاجزء من الكل وهو أقل شمولا من الدولة فذلك المجتمع هو عبارة عن الشعب والحيز هو الحدود الجغرافية الكاملة للدولة والسلطة هو شيخ القبيلة الذي يطيعه الجميع دون تردد.

وقد ظل هذا النموذج سائدا حتى بداية نشأة الدولة في العصر الحديث والماضي القريب ,حيث طرأت مفاهيم معاصرة علة ثقافة مجتمع تلك القبائل التي كانت تتقاسم حدود الدولة الموريتانية وتتخذ منها مجالاتها الجغرافية الخاصة .

ومع ولادة الدولة الحديثة وتطور نشأتها ومفهومها وتعريفها الذي يرتكز على بعد قانوني مفاده أن الدولة هي (مجموعة بشرية تتواجد على رقعة جغرافية محددة ويحكمها نظام سياسي مستقل) وهذا يحيلنا إلى أن الدولة تتكون من ثلاثة أطراف متكاملة شعب الذي يحوي الجميع , وأرض التي هي الحدود الجغرافية الكاملة دون أي تجزئة على نقيض القبيلة والسلطة التي يخولها الشعب .

وإنطلاقا من هذه الفرضية فإن الدولة إذن هي أكبر مؤسسة إجتماعية يمكن أن تلبي حاجيات المجتمع لأنها نشأت بفعل عجز الفرد عن الإكتفاء بذاته وحاجته إلى أشياء لايمكن الحصول عليها إلى بالتعاون مع الآخرين كما جاء في كتاب الجمهورية.

لقد شاء القدر أن ولدت الدولة الموريتانية في فترة وظروف صعبة للغاية وأصبحت في مواجهة شرسة للقضاء على جبروت وسطوة القبيلة التي سادت عبر تتبع حلقات تاريخية معينة ,لكن النظام السياسي فشل فشلا ذريعا في إذكاء وإنعاش روح الوطنية والإنتماء للوطن وتغيير العقليات البالية للمجتمع القبلي التي رسخت جذورها ونمت وإستفحلت , بل إن البعض ممن وصل إلى سدة الحكم قد ساهم مساهمة قيمة في الدعم القبلي وربطه بالمصالح المادية والمعنوية , الأمر الذي ساعد في تقويتها ,كل هذا كان من أجل السعي وراء كسب الثقة من طرف رموز القبائل الذين يحظون بإرث تاريخي لدى فيئات المجتمع الموريتاني.

ولكسب تلك الثقة ينبغي شراء الذمم بالمال العام , الذي هو ملك وحق للجميع يصرف بهذه الطريقة اللاأخلاقية من أجل الحصول على المصالح الخاصة .

هذا أيضا إلى جانب التوظيف الذي يحدث بواسطة إعتبارات ومعايير خاصة تتنافى مع الكفاءة لإرضاء قبيلة أو عشيرة معينة .

وللأسف الشديد والحزن العميق هذا هو واقعنا المعاش الذي يتم فيه تهميش بعض الجيهات لكونها لاتحمل وزنا ثقيلا بالمقارنة مع الجيهات الأخرى .

فإذا أليقنا نظرة سريعة دون إمعان النظر على الواجهة الخلفية للتعيينات الوزارية والإدارية نجد أن كل حقيبة وزارية أو إدارية تشير إلى طرف معين حتى إن بعض حامليها قد لايكون مؤهلا (فهذا من تلك الجهة وذلك من الأخرى والقائمة طويلة).

هذه شهادة مجانية وثابتة من الواقع ممنوعة من الخطأ تدعمها بذلك ممارسات الأجهزة الإدارية والقطاعات الحيوية أمام المواطنين الموريتانيين للحصول على أبسط الحقوق , حيث تلعب الخصوصية والجهوية والمحسوبية والقبلية دورا بارزا جوهريا وفعالا في إعطاء الأولوية (لهذا أوذاك) إنطلاقا من إعتبار تلك المعايير التي ترفضها المبادئ السامية للدين ( الأخلاق والقيم والمساواة) فيتم بذلك التدخل في كل شيئ حتى المسابقات التوظيفية والدراسية يتم التدخل فيها فالكل يدخل في صراع من أجل الحرص على أن تكون الأغلبية تنتمي إلى فيئته .

كل هذا كان من نتائج عجز النظام السياسي عن الذي تقوم عليه الدولة في إستئصال القبيلة من جذورها ومحاربتها وطمس هويتها .

لقد كان المجتمع القبلي بكل فيئاته يبحث عن حاجياته التي كان يعتمد في أغلبها على سحاء الطبيعة وكرمها , هذا إلى جانب إستخدام القوة المفرطة من أجلها أياما كنا فيها مجتمع بدوي متخلف لايميل إلا إلى القوة بهدف تحيق تلك المنافع التي تخدمه.

كانت هذه حالته قبل وجود كيان الدولة , لكنها أيضا لاتزال حالته الآن بعد أن أصبح مجتمعا متمدنا  يعيش في مدن حضرية ويقيم مؤسسات إجتماعية وثقافية وغيرها...

إن الحضارة المدنية التي عرفتها موريتانيا لم تغير شيئا من (العادات والتقاليد البالية والأعراف والإنتماء والولاء للقبيلة ) فكل ماحدث هو أنها أضفت على تلك الممارسات ستارا من الأدب والمجاملة وأنواع الدهاء فرأينا الفضائح بكل مجالاتها تحل محل إستخدام العنف المباشر لكنها طرق وأساليب تؤدي في النهاية إلى تحيق لذات جهة أو فئة معينة.

وأصبحت هذه العادة المخجلة من مرتكزات الثقافة القبلية ,لذهذا ينبغي على من يتقلد منصب معين أن يلبي تلك الحاجيات على أحسن وجه ويتم مدحه على أنه بطل قبلي لامثيل له ,فتلك الفئة تدعمه وتسانده وتشجعه لتحقيق المزيد من الرفاهية الإجتماعية وخلق فرص العمل لإدراج تلك الحاشية .

فالدولة لاوجود لها في الأصل لأنهم هم من يسيطرون على زمام الأمور لذا لاداعي للقلق أو الخوف .

وإذا كانت الدولة الموريتانية عاجزة وخاضعة للقوة القبلية الاتي لاتخضع لسلطة القانون الذي تقوم عليه سيادة الدولة فيكف إذن ينبغي محاسبة الأفراد حسب قوة تفاوت المجتمع القبلي ؟ مع أننا دولة لها دستور قانوني وعدالة ويفترض أن يكون الأفراد مواطنين موريتانيين لهم حقوق وعليهم واجبات وسواسية أمام القانون الذي يحكم الجميع يحاسب الظالم وينصف المظلوم .

فالإجابة واضحة وتصب في مبدأ القوة حيث يتم بذلك تخفيف العقوبة أو إعفاءها حسب ذلك التفاوت بينما يتم تطبيق ذلك القانون على المواطنين الضعفاء في دولة تدعي القانون الذي هوأشبه – بقانون الحظيرة – لكونه يتناسب معها وقد يكون هو الأفضل ,هذا هو القانون الذي يحكمنا ويضمن لنا حقوقنا ويوفر لنا أمننا من السطو والبطش الذي يتربص بنا في كل لحظة.

ولعل هذا القانون وجد ضالته في دولة بائسة ويائسة وفاشلة بكب المقاييس (السياسية والإقتصادية والإجتماعية والحضرية والثقافية), من الهرم إلى الذيل حتى إن أطر هذه الدولة الذي يفترض أن يكونوا القدوة في كل شيئ ويمثلون النخبة فاسدين في كل شيئ حتى في الخطاب السياسي الذي تسوده الرداءة نظرا لعدم إنسجام وتناسب الألفاظ والأفكار .

ومادامت الدولة الموريتانية فاشلة في صد هيمنة القبيلة ومجابهتها ,فالمانع حسب وجهة نظري من أن يتم تطبيق النظام الفدرالي أو اللامركزي على أساس قبلي بطرق وأساليب مختلفة تتناسب وتتناسق معه , حيث يتم جمع وحصر كل أفراد وحاشيات القبيلة داخل حيز جغرافي واحد لكونه يحتل الأغلبية .

ويكون لكل مجتمع قبلي ممثلين عنه في البرلمان والوزارة والإدارة والقطاعات الحيوية والمؤسسة العسكرية ويضمن كل ذي حق حقه بالتساوي .

بإعتبارأن القبيلة قد تفوقت على الدولة والوطن لإحتلالها الجزء الأكبر من (الميول والولاء والإنتماء والهوية) وقد نجحت في الفترات الزمنية الماضية في تسيير شؤونها قبل ميلاد الدولة وهي قادرة على أن تتماشى مع النظام المدني الحضري لأنها قد تطورت مع التطور الحضاري ولديها القدرة الكاملة على مواكبته بأساليب أكثر نضجا وحيوية من السابق.

لبات ولد الفاظل.

موريتانيا... الدولة والجبروت القبلي.

كود امني تحديث

مساحة إعلانية

يوتيب

الإذاعات والتلفزيونات

 

 

إعلان

إعلان2

الموقع على الموبايل

الحقائق - النسخة الورقية

الحقائق - النسخة الرقمية

التسجيل في القائمة البريدية